من حق مسلمي البوسنة الاحتجاج والغضب، بعد قرار محكمة «العدل» الدولية الذي لم يضع الصرب في زنزانة الحبس على الجرائم التي ارتكبتها أيديهم في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، وان اعترفت المحكمة بوقوع إبادة جماعية في سربرينيتسا.

الإبادة الجماعية وقعت لكن من دون أب يسأل عنها، هكذا رأت المحكمة، التي نظرت القضية التي رفعتها جمهورية البوسنة ضد الصرب، الذين تابع العالم عبر وسائل الإعلام جرائمهم التي لا يمكن إنكارها أو التنصل منها، عندما كانت دماء الضحايا ساخنة، لكن يبدو أن عدالة الرجل الأوروبي الأبيض لا يمكن أن تمتد إلى المسلمين وان كانوا من ذات العرق، وبالتالي فجرائم الصرب يمكن أن تسقط بالتقادم.

ثمانية آلاف مسلم في سربرينيتسا قضوا من دون ذنب سوى الرغبة الوحشية لتنفيس أحقاد تاريخية، وممارسة التطهير العرقي في أحط إشكاله، ومع ذلك اكتفت المحكمة بتوجيه اللوم المخفف إلى بلغراد مع منحها صك البراءة من مجزرة مروعة.نحن أمام تناقض صارخ، ولا نريد من دهاقنة القانون وحراس النصوص الصماء، التلاعب بالمواد والديباجات، التي لا ترى قرص الشمس في وضح النهار، ولا تنصف الضحية.

أهالي الضحايا بشر من لحم ودم، ومن حق من فقدوا أحباءهم أن يجدوا القاتل خلف القضبان، وان يلاحق العار من تسببوا في إزهاق الأرواح البريئة، لمجرد الاختلاف في اللون أو العرق أو الدين.

قتل مسلمي البوسنة، وأيضا حتى لا نفرق الكروات على قاعدة التطهير العرقي، وهي جريمة لابد وان تلاحق مرتكبيها إلى قبورهم . وإذا قال البعض إن الحكومة الصربية الحالية لا تتحمل مسؤولية ما جرى في الماضي، وان مواطني الصرب العاديين لا ذنب لهم فيما جرى، نذكر هؤلاء أن ألمانيا الحالية والشعب الألماني لا يزال يدفع ثمن جرائم هتلر بحق اليهود حتى الآن، والأكثر أن القوانين في العديد من الدول الأوروبية تلاحق أي واحد يشكك في المحرقة أو الهولوكست، فلماذا عندما يتعلق الأمر بالمسلمين لا نجد تعاملا بالمثل؟.

ليست نظرية المؤامرة لكن الوقائع لابد وان تثير التساؤلات: قادة صرب ملاحقون أو يحاكمون أمام محكمة الجزاء الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في البوسنة، ومحكمة أخرى تبرئ صربيا من الإبادة، كيف؟ أليس من حق مسلمي البوسنة إذن الشعور بالغبن، والإحساس بعدم المساواة، وان أرواحهم لا ترقى إلى مستوى باقي الشعوب الأوروبية، فقط لاختلاف ديانتهم؟!

تلك هي الحقيقة التي لا يجب تجاهلها، تحت سوط الخوف من الاتهام بالإرهاب أو التحريض على الكراهية، فوأد الكراهية لابد وان يجد له طريقا من خلال العدل والإنصاف لمن يقع عليه الظلم في فترة ما، وان يشعر الضحية أن حقه سيعود إليه وان طال الزمن.

وبمناسبة هذا الحكم الذي آثار حفيظة مسلمي البوسنة، نتساءل هل ستجد هذه العدالة العرجاء طريقها إلى قضية أخرى مثار جدل حاليا، بعد أن وجه المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية تهمة الإبادة الجماعية في دارفور إلى اثنين من المسؤولين السودانيين؟.

لا نريد ازدواجا في المعايير على أية حال، لكن المقارنة بين القضيتين تجعلنا نتساءل أيضا هل ستكتفي المحكمة الجنائية الدولية باتهام أشخاص وتبرئة الآخرين مما جرى في دارفور على غرار الوضع في سربرينيتسا؟لا نريد استباق الأحداث، ولا نود الإلحاح على الدوافع السياسية في الملفين البوسني والسوداني، وسننتظر مسار قضية دارفور، ونتمنى أن تأخذ الحقيقة مجراها وان نشاهد العدالة وقد جلست بصدق على منصة القضاء.