إذا كان الأمر يتعلق بما تم إعلانه في ختام اجتماعات إسلام آباد التي ضمت بعض وزراء خارجية الدول الإسلامية، فالأمر ليس به شيء خطير.
فالدول السبع التي اجتمعت ومن بينها ثلاث دول عربية ( مصر والسعودية والأردن) دعت مرة أخرى إلى حل الأزمة الخطيرة المتمثلة في برنامج إيران النووي عبر الطرق الدبلوماسية. كما أكدت على ضرورة إيجاد حل للقضية الفلسطينية تجنباً للمزيد من المشاكل والعنف في المنطقة والعالم. بالإضافة إلى الملفات المعتادة في مثل هذه الاجتماعات من لبنان إلى العراق ولا بأس من أفغانستان .
ولو بحكم الجوار مع الدولة المضيفة، لكن هذه الدعوة - في حد ذاتها - لم تكن تستدعي هذا التحرك السريع إلا إذا كانت هناك أمور عاجلة جعلت الرئيس الباكستاني برويز مشرف يتحرك في هذا الإطار ويطرح ما اسماه «مبادرته» على الرئيس المصري مبارك والعاهل السعودي الملك عبد الله خلال جولته الماضية في المنطقة، ثم يضم لهذه «المبادرة» كلا من الأردن وماليزيا وإندونيسيا وتركيا.
و الملاحظة الأولى على الاجتماع أن الأطراف الأساسية في القضايا المثارة في اللقاء كانوا جميعاً غائبين. فلا لبنان ولا العراق ولا إيران ولا حتى فلسطين كانوا حاضرين على أي مستوى. وقد حرص وزير الخارجية الباكستاني على توضيح انه اتصل بنظيريه السوري والإيراني، فيما اتصل الرئيس الباكستاني برويز مشرف برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لاطلاعه على نتائج الاجتماع كما تردد أن رئيس الوزراء الباكستاني اتصل برئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة لنفس الغرض.
والملاحظة الثانية : إن أطراف اللقاء قد حرصوا على التأكيد بأنهم لا يشكلون محوراً أو تكتلاً جديداً، وفي هذا السياق رفض وزير الخارجية الباكستاني القول إن عدم دعوة إيران وسوريا وفلسطين سيزيد حالة الانقسام في العالم الإسلامي، أو يؤيد المخاوف من قيام تكتل سني في مواجهة آخر شيعي، وهي تصريحات لا تنفي وجود المخاوف، وتستوجب التعامل الجاد معها لمصلحة الجميع.
والملاحظة الثالثة : إن لقاء إسلام آباد يأتي في وقت تتدهور فيه الأمور في أفغانستان، وتزداد الضغوط الأميركية على باكستان لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً في مساعدة القوات الأميركية وحلفائها، وفي المشاركة في الحرب على طالبان التي بدأت تستعيد قوتها، وفي ضرب التيارات المؤيدة لها والمعادية للنفوذ الأميركي داخل باكستان. وهي مهمة صعبة على برويز مشرف يحتاج فيها إلى غطاء «إسلامي» قد يساعد في مواجهة التيارات المتشددة المعارضة داخل باكستان نفسها.
الملاحظة الرابعة : إن إقحام القضية الفلسطينية ليس مصادفة أو « سد خانة» كما يقولون، وإنما هو خطوة تأتي في سياق متصل صدرت فيه إشارات سابقة من الرئيس الباكستاني وحكومته عن الرغبة في القيام بـ «مبادرة» تقوم على الاعتراف بإسرائيل من أجل تشجعيها (!!) للتعاطي بإيجابية مع القضية الفلسطينية.
وهنا ينبغي التوقف عند تصريحات وزير الخارجية الباكستاني عقب اجتماعات إسلام آباد التي أشار فيها إلى انه «لا يمكن القول انه طالما الجانب الآخر لم يتعاط إيجابياً مع مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز، فإننا سنترك الأمور على ما هي عليه.. إننا نريد من الدول الإسلامية أن تتحاور مع الدول الكبرى».
فهل المطلوب في هذه المرحلة اعتراف إسلامي - وليس عربياً فقط - بإسرائيل.. وما هو الثمن ؟! وهل المطروح أن تكون المبادرة العربية هي أساس التحرك.. أم أن تجاوز هذه المبادرة هو الشرط وبرداء إسلامي هذه المرة ؟!
الملاحظة الخامسة : ربما للسبب السابق، لم يصدر عن اللقاء موقف حاسم وصريح يبنى على ما تحقق في اتفاق مكة، ويطالب العالم باحترام إرادة الشعب الفلسطيني والعودة للشرعية الدولية والدخول فورا لحل نهائي يبنى على هذه الشرعية وعلى المبادرة العربية بدلا من محاولة كسب الوقت (لأميركا وإسرائيل ) بخرائط طريق لا توصل أبداً لأي طريق.
لم يصدر هذه الموقف الحاسم، ولم يتم التأكيد على ضرورة رفع الحصار الظالم على الشعب الفلسطيني. ولكن هذا كان متوقعاً في ظل الخلاف حتى بين الأطراف العربية المشاركة في اللقاء والذي برز في لقاء الرئيس المصري بملك الأردن بالقاهرة الأسبوع الماضي، حيث دعا العاهل الأردني إلى ضرورة التزام الحكومة الفلسطينية بشروط الرباعية، بينما رفضت القاهرة إملاء أية شروط على الفلسطينيين.
الملاحظة السادسة : أن لقاء «إسلام أباد» يأتي والفشل الأميركي في العراق لم يعد شيئاً يمكن إخفاؤه، وكل ما تفعله الإدارة الأميركية أن تمنع الأمر من أن يتحول إلى «كارثة قومية» أميركية لا تنهي فقط حلم الإمبراطورية الأعظم الذي كان يداعب خيال اليمين الصهيوني الأميركي، ولكنها تقود أميركا إلى مأساة أخلاقية قد تفوق آثارها مأساة فيتنام بكثير، وقد تثقل ضمير الأمة الأميركية لعقود قادمة.
الآن، وللمرة الأولى يتحدث صقر الصقور الذين قادوا أميركا إلى مأساة العراق عن «الانسحاب بشرف» ويقود نائب الرئيس تشيني خطة التظاهر بمضاعفة القوة الأميركية لخلق ظروف «ملائمة» للانسحاب بشرف.. وهو هدف يبدو أنه يزداد صعوبة مع تسارع خطى الحلفاء للخروج من العراق وبدء اقرب الحلفاء «بلير» في إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يخرج من الحكم هذا العام وتبدأ «المحاكمة السياسية» المقررة لسياساته تجاه العراق.
وقد كانت إحدى الأفكار المطروحة أن يكون البديل الذي يؤمن «الخروج المشرف» للقوات الأميركية متمثلاُ في قوات تجيء أساساً من دول إسلامية كبيرة (مثل باكستان وإندونيسيا ) تمنح الصبغة الدولية، ومع استبعاد دول الجوار، وكذلك باقي الدول العربية التي كانت أميركا حريصة من البداية على استبعادها لكي لا تتعامل مع العراق كدولة «عربية».
هذه الفكرة ترتكز على أن تكفل الدول الإسلامية البترولية التمويل اللازم، وتقدم تركيا الدعم اللوجستي، وتقدم الدول العربية «المعتدلة» الدعم السياسي. ولكن هذه الفكرة تصطدم بالواقع في محافظات الجنوب والوسط التي امتد إليها النفوذ الإيراني بصورة كبيرة، وتصطدم بأن هذه الدول الإسلامية قد يكون تواجدها عامل اطمئنان للسنة، وقد تكون قادرة على التصدي لإرهاب «القاعدة» .
وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي جاء بها الاحتلال الأميركي إلى العراق، وقد توفر - مع انسحاب القوات الأميركية - فرصة لدخول فصائل المقاومة في العمل السياسي.و لكن ماذا عن الميليشيات الشيعية ؟ وماذا عن النفوذ الإيراني ؟ وكيف يمكن تفادي تقسيم العراق أو تصاعد الحرب الطائفية ؟
ربما كان اللقاء المرتقب بين دول الجوار والدول الكبرى ومن بينها أميركا وبحضور إيران وسوريا هو فرصة لبدء الحوار الذي يبحث عن الحل السياسي لمأساة العراق.. ولكن كيف يتم ذلك في مناخ التصعيد حول الملف النووي الإيراني ؟ وهل يكون العراق جزءاً من الحل أم يكون طريقاً إلى الصدام ؟!
الملاحظة السابعة : تتعلق بما سبق.. فالضربة الأميركية (أو الإسرائيلية ) لإيران سوف تكون لها آثار مدمرة على المنطقة، وسيدفع العرب - كالعادة - الثمن الأكبر لهذه الكارثة المحتملة. والمؤشرات كلها توحي بأن الرئيس بوش يمهد لهذه الضربة.. وإذا كان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد يؤكد أن البرنامج النووي الإيراني هو «قطار بلا فرامل » لن يتوقف أبدا.. فالخشية أن يكون ما تخطط له العصابة اليمينية الحاكمة في أميركا هو قطار آخر بلا فرامل رغم التأكيدات التي تتوالى بأنها تفضل الحل الدبلوماسي.. ربما خوفاً من رد فعل الرأي العام الأميركي.
نقيب الصحافيين المصريين