صادقت السلطات العراقية والهيئات التشريعية على قانون جديد ينظم الاستثمار في قطاع الطاقة، ويوزع عائدات النفط بين الأقاليم والطوائف العراقية. ومن المتوقع أن يخفف هذا القانون من حدة التوتر بين المجموعات الطائفية والأكراد، الذين يسيطرون عمليا على الجزء الأكبر من ثروة العراق النفطية، حيث تقع أغلبية منابعه في إقليم كردستان. ووفق هذا القانون سيتم تقسيم عائدات النفط على 18 إقليما.
وفيما يخص استثمار منابع النفط، حيث يقصر القانون حق السيطرة على إنتاج النفط في البلاد على شركات النفط الوطنية العراقية، ويمنح سلطات الأقاليم سلطات وصلاحيات إضافية في استثمار منابع النفط الواقعة ضمن أراضيها، ووفق القانون الجديد يحق لإدارة الإقليم وشركة النفط المحلية حق الاستعانة بالشركات الأجنبية في التنقيب عن النفط واستخراجه.
واعتبر الخبراء الاقتصاديون في موسكو أن هذا القانون يغلق الباب أمام شركات النفط الروسية للعمل في العراق، ويلفت المحلل ميخائيل كروتيخين من شركة «روس انرجي» الانتباه إلى أن القانون يتضمن التخلي عن طرح المناقصات المفتوحة ويتيح للشركات الأميركية إبرام العقود مع أجهزة إدارة الأقاليم العراقية من خلال صلات مباشرة. فيما يعتقد العديد من المحللين أن هذا القانون يفتح الباب على مصراعيه أمام الشركات الأجنبية، ويمنحها الفرصة لتوسيع نفوذها وأعمالها في قطاع النفط العراقي.
وكانت موسكو تأمل في استئناف عمل شركة لوك اويل الروسية في العقود التي وقعتها قبل الحرب مع نظام صدام، والخاصة بحقول (القرنة الغربية-2) في العراق. وقد أعلنت بغداد على لسان العديد من المسؤولين أن القيادة العراقية لا تعارض اشتراك الشركة في هذا المشروع، باعتبار أن «لوك اويل» كشركة تتمتع بقدرات تقنية عالية وإمكانيات مالية كبيرة، تمكنها من المشاركة في أي مشروع من مشاريع الطاقة بالعراق.
وكان عقد استخراج واستثمار المرحلة الثانية لحقل «القرنة الغربية - 2» في العراق قد وقع في 21 مارس عام 1997 بين وزارة النفط العراقية و«لوك اويل» وشركتي «زاروبيج نفط» و«ماشين امبورت» الروسيتين الأخريين. وتبلغ فترة العقد 23 سنة ويمكن أن تمدد لمدة خمس سنوات أخرى.
وتبلغ حصة «لوك اويل» في المشروع 5 .52 %، والجانب العراقي 25%، و«زاروبيج نفط» و«ماشين امبورت» 25 .11 % لكل منهما.
ويبلغ احتياطي الحقل المثبت حوالي ستة مليارات برميل للنفط. ومن الممكن أن يبلغ الاستخراج فيه خلال فترة سريان مفعول العقد 8,4 مليارات برميل للنفط و4 .56 مليار متر مكعب للغاز الطبيعي. وتقدر الاستثمارات الأساسية التي يجب توظيفها لدى إنجاز المشروع بحوالي 4 مليارات دولار.
وقد حرصت شركة(لوك أويل)على إبداء النوايا الحسنة تجاه السلطات العراقية الحالية بهدف الحفاظ على حقوقها في استثمار حقول «قرنة الغربية»، خاصة بعد أن سيطر اتجاه على الحكومة يميل لتجاهل هذا العقد بحجة انه تم توقيعه مع النظام السابق، أو أن قرارا بتجميد العقد كان قد اتخذ قبل سقوط النظام السابق.
ووقعت الشركة مع وزارة النفط العراقية مذكرة تفاهم منذ 3 أعوام، قامت بموجبها مراكز التدريب والوحدات الإنتاجية التابعة للشركة بتدريب مئات المهندسين والفنيين العراقيين على مدار السنوات الماضية، كما تستقبل سنويا جامعة النفط في موسكو ومعهد النفط والغاز في إقليم بشكيريا . بل وقدمت شركة «لوك أويل» مساعدات فنية وإنسانية لوزارة النفط العراقية، حيث أرسلت 5 سيارات إسعاف و5 ماكينات للحفر... الخ، وتصل قيمة المساعدات التي قدمتها الشركة للجانب العراقي إلى 10 ملايين دولار. ويستمر حصول وزارة النفط العراقية على المنح التعليمية والتدريبية من الشركة الروسية حتى عام 2008 .
وأصبح واضحا أن الإقرار بحق شركة «لوك أويل» يتطلب دعما أو تأييداً أميركيا، وذلك عندما بدأت تدور حوارات حول مشاركة الشركة الأميركية (ConocoPhillips ) في استثمار حقول قرنة الغربية بالتعاون مع شركة لوك أويل الروسية. وكانت الشركة الروسية تنوي زيادة حصتها في العقد 20% و إعادة توزيع حصص الاستثمار على ضوء مفاوضاتها مع الشريك الأميركي الذي أجبرت عليه.
وليس سرا أن عددا كبيرا من الخبراء الأميركيين يعملون كمستشارين في وزارة النفط العراقية، لتوجيه الإدارات المختلفة وتحسين أدائهم، وبطبيعة الحال لإقناعهم بالعقود الأميركية وبمزايا العمل مع الشركات الأميركية. لذا كان من المنطقي أن ترحب واشنطن بالقانون الجديد ومن غير المستبعد أن يكون من إعداد خبرائها العاملين في وزارة النفط العراقية. باعتبار أنه يمكنها من السيطرة الكاملة على النفط عبر إدارات الأقاليم.
وكانت موسكو قد قررت إسقاط أكثر من 70% من الديون العراقية لروسيا التي تصل إلى حوالي 8 مليارات دولار، 5 .3 مليارات دولار منها تشكل الدين الأصلي والذي تشكل نظير توريد روسيا إلى بغداد معدات عسكرية، وآليات لبناء محطات توليد الطاقة خلال فترة الاتحاد السوفييتي، أما 5 .4 مليارات دولار فهي إجمالي فوائد الدين الأصلي المتراكم منذ أكثر من 15 عاما. وقد حرص الكرملين آنذاك على ربط تقليص وإعادة جدولة ديون العراق بمصالح الشركات الروسية في العراق، إلا انه لم يتمكن من تحقيق نتائج في هذا الإطار.
ولعل الوضع الراهن حول الملف العراقي يعيد للأذهان مقولة بوتين خلال اللقاء الروسي ـ الفرنسي ـ الألماني الذي عقب انتهاء الحرب ضد العراق في سان بطرسبورج، عندما أشار إلى أن البعض ينهب ويقتل والبعض الأخر يدفع فاتورة ما حدث... قاصدا بذلك أن واشنطن تريد أن تضرب العراق و تسيطر على ثرواته لحساب شركاتها، وتدعو الدول الأوروبية أن تدفع تكاليف الحملة العسكرية وتمركز قواتها في العراق.
وبالتأكيد هذا المنطق يثير الدهشة لأنه لا يدع مجالا للتعاون والتحاور. فهم يفعلون ما يحلو لهم ضاربين بعرض الحائط بالشرعية الدولية ومصالح بقية الدول والمجتمع الدولي، ثم يطالبون العالم بأن يتحمل تبعات ونفقات ما فعلوه !!
وتدرك الأوساط الاقتصادية الروسية أن عودتها إلى السوق العراقي ليست بهذه البساطة، بالرغم من أن البنية التحتية في قطاع الطاقة وعددا من القطاعات الصناعية تعتمد على التقنيات الروسية، إلا أن تدفق عائدات النفط سيمكن الحكومة من إعادة بناء بنيتها التحتية وفق الأنظمة المطلوبة مع الأخذ بعين الاعتبار أن الشركات الروسية بالرغم من تمتعها على مدار فترة حكم صدام بالأولوية الكاملة، إلا أنها لم تؤسس علاقات وصلات قوية في السوق العراقية.
وتراهن الشركات الروسية في المنافسة الحرة للدخول إلى السوق العراقي، على سياسة تنويع العلاقات الاقتصادية التي تؤكد الحكومة العراقية على تمسكها بها، إضافة للخبرات المتراكمة لدى الشركات الروسية في التعاون مع العراق، والذي وفر لها اطلاعا واسعا بطبيعة القدرات العراقية وفروع الاقتصاد العراقي.
وما يثير قلق الأوساط الحكومية الروسية أن القوانين الأخيرة تغلق الباب أمام رؤوس الأموال الروسية، مما يعني إمكانية إزاحة الشركات الروسية من السوق العراقية لحساب شركات البلدان الأعضاء في التحالف، مثل بولندا وبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا، وهذه الشركات على دراية كاملة بالتقنية الروسية وقادرة على مواصلة ما بدأته الشركات الروسية ـ بحكم التكامل الاقتصادي الذي كان بين هذه البلدان وروسيا على مدار أكثر من 30 عاما ـ تحت إشراف الشركات الأميركية، مما قد يعني أن شركات بلدان أوروبا الشرقية يمكن أن تكون البديل الواقعي للشركات الروسية في السوق العراقي.
مركز دراسات الطاقة ــ روسيا
