بفضل تقدّم العلم والتكنولوجيا استطاع الإنسان القضاء، أو تطويق الكثير من الجوائح الطاعون والجدري والكوليرا وغيرها؛ تلك الجوائح التي كانت تحصد أرواح الملايين.

وبفضل العلم والتكنولوجيا أيضاً أوجد الإنسان نفسه جوائح حصدت من البشر ما يفوق عدد ما حصدته الأوبئة على مرّ العصور.. ويكفي أن نتذكّر ضحايا الحربين العالميتين حتى ندرك مدى قدرة الإنسان على إبادة أخيه الإنسان وتدمير كوكب الأرض. ‏

ولنتذكّر ـ على سبيل المثال ـ أن 240 ألف إنسان قضوا في ثانية واحدة عندما ألقت دولة حقوق الإنسان والحرية القنبلة الذريّة على مدينة هيروشيما اليابانية. ‏

و...بفضل هذه التكنولوجيا الحديثة والمتطوّرة جداً، تنشر الدولة الأقوى والأعظم في عالم اليوم، والمُدافعة العنيدة عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.. تنشر هذه الدولة جائحة الإرهاب والموت والدمار في أربع جهات الأرض. ‏

تقول دراسة أميركية رسمية أعدّها بيتر بيرغن وبول كروكستانك: إن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة (والمقصود هنا إدارة المستر بوش طبعاً)، على الإرهاب حوّلت العالم إلى مكان مخيف، شهد ارتفاعاً دراماتيكياً في الهجمات الإرهابية. ‏

وبلغة الأرقام التي لا تكذب «كالإدارة الأميركية!!» تقدّم لنا الدراسة الدليل القاطع: فعند المقارنة بين الفترة الواقعة ما بين أحداث أيلول 2001 وغزو العراق 2003، وبين الفترة التي تلت الغزو، نجد أنّ عدد الأشخاص الذين لقوا حتفهم جرّاء الهجمات الإرهابية ارتفع من 729 إلى 5420 شخصاً خلال الفترة المذكورة.. والأخطر أنّ عدد الذين قُتلوا على أيدي المسلحين في العراق وحده ارتفع من سبعة أشخاص فقط إلى 3122!!. ‏

وبلغة الأرقام اليومية، فإنّ العراق يشهد سقوط عشرات الضحايا ومئات المصابين، وآخر إحصائية تقول: إنّ عدد ضحايا الإرهاب في العراق خلال شهر شباط الفائت بلغ 1778 شخصاً، منهم 132 شرطياً، بينما كان عدد ضحايا هذا الإرهاب الأسود في الشهر الذي سبقه بحدود الألفين. ‏

ودعونا لانتذكّر العدد الإجمالي للضحايا، ولاسيما في غياب الأرقام الرسمية، لأن القلب ينفطر عندما نكتشف أن الحديث يدور حول رقم يتجاوز بأربعة أضعاف ضحايا هيروشيما!... وهو رقم خطير لم تشهده البشرية إلا خلال الحربين العالميتين، وأيضاً خلال انتشار الأوبئة القاتلة، ولاسيما «الطاعون الأسود» الذي ضرب أوروبا مراراً بدءاً من القرن السادس الميلادي وما تلاه. ‏

الطاعون الأسود هذه الأيام هو "الإرهاب " الذي تنقله حشرات قاتلة والذي يلقى الرعاية والاهتمام والدعم من القوى التي تدّعي أنها تكافحه. ‏

ولا نتجنّى على أحد إذا قلنا: إنّ جائحة الإرهاب دخلت إلى الشرق الأوسط منذ بدايات القرن العشرين الفائت، واستوطنت بصفة خاصة في أرض فلسطين، وشكّلت عصابات شديدة التنظيم والبطش: هاغانا ـ اراغون ـ شتيرن.. وغيرها.

وهذه العصابات هي التي استخدمت لأول مرّة أسلوب تفجير المحال العامّة كَدُور السينما والفنادق والمدارس والأسواق داخل فلسطين، بل في مصر والعراق وضدّ اليهود أحياناً لإجبارهم على شدّ الرحال إلى "أرض الميعاد".

وهذه العصابات هي نفسها التي صارت بعد إقامة إسرائيل " جيش الدفاع الإسرائيلي " فتحوّل القَتَلَة والمجرمون إلى ساسة بياقات بيضاء، وأياد ملطّخة بالدماء؛ لكن الإرهاب لم يتوقّف مع تحوّل الجزّارين إلى مواقعهم السياسية والعسكرية الجديدة، فلايزال هذا الإرهاب سياسة رسمية لحكومات إسرائيل. ‏

وعلى الرغم من ذلك، فإن دولاً عظمى أشرفت على ولادة الوحش الإرهابي، ورعته وكبّرته وأطلقت يده ليمارس القتل والمجازر والإرهاب وها هي اليوم تقدسه!. ‏

والأغرب أنّ الدول العظمى إياها، هي التي تحمل فيروس الإرهاب معها وتنقله عبر أساطيلها الحربية وجيوشها وسياسييها إلى منطقتنا في محاولة منها لجعل هذا الفيروس يستوطن عندنا ويفتك بنا بالتحالف والتنسيق مع جيوش المجرمين والقَتَلَة وشذّاذ الآفاق وقطّاع الطرق والقراصنة. ‏

طاعون الإرهاب يجتاح العالم أجمع على أيدي مدّعي مكافحة الإرهاب والدفاع عن حقوق الإنسان.. ولا نظنّ أننا نحتاج إلى أدلّة وقرائن تثبت أن الإرهاب صناعة صهيونية بامتياز، وترويج أميركي بامتياز أكثر، لأن شعوب الأرض تعرف الحقيقة كاملة. ‏

فلتخجلْ هذه الإدارة الأميركية قليلاً، ولا تدّعي ما ليس فيها.. وعندها سنتقبّل أية تسويغات كاذبة للحروب الأميركية المدمّرة!.. لكنّنا حتماً لن نقبل أكذوبة مكافحة الإرهاب؛ فهذه مزحة كبرى لا يصدّقها حتى من أطلقها ويسعى إلى إقناع العالم بها. ‏