في الوقت الذي تتجه فيه أكثر من قضية ومشكلة عاشت وتعيش فيها هذه المنطقة الحيوية من العالم، سواء منذ عقود او منذ سنوات، الى التهدئة ولو النسبية تمهيدا للدخول الى طريق التفاوض بين الاطراف المعنية لإيجاد انسب السبل لحلها، وهو ما يقترب من الوضع في العراق وفي الصومال وفي لبنان وفي الاراضي الفلسطينية المحتلة ايضا، فإنه يمكن القول بأن الخلافات المرتبطة بالملف النووي الايراني ليست بعيدة عن هذه العتبة التي يمثل الدخول اليها منعطفا مهما بالنسبة لهذه المسألة التي تتسم بالكثير من الأهمية.

وبرغم قعقعة السلاح التي بدأت تعلو في المنطقة وفي مواقع اخرى، وبالرغم ايضا من كل ما يمكن ان يقال بشأن التصريحات والتصريحات المضادة التي صدرت مؤخرا من جانب كبار المسؤولين سواء في الولايات المتحدة والدول الغربية، او في الجمهورية الاسلامية الايرانية، إلا ان هذه الجلبة لا يمكن ان تحجب عن الانظار ما يمكن القول بأنه توجه آخذ في التبلور والوضوح بشكل متزايد في الايام الأخيرة وهو الميل الواضح والمعلن عنه الى التفاوض لحل الخلافات بشأن الملف النووي الايراني، سواء من جانب واشنطن او طهران وهو توجه ايجابى بالتأكيد.

وفي هذا الاطار فإنه بغض النظر عن اساليب كل طرف من الاطراف المعنية ــ ايران والدول الست الكبرى ــ في ادارة الازمة، الا انه من الواضح ان هناك الآن نقطة تتوافق عندها الآراء او تقترب وهي أهمية وضرورة حل الخلافات عبر المفاوضات. ومع ان ذلك مبدأ مطروح دوما لحل الخلافات، الا ان الجديد هو ان ايران من ناحية والولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي والصين وروسيا من جهة ثانية اعربت بوضوح عن تأييدها للتفاوض لحل الخلافات بين الطرفين تجنبا لمضاعفات لا ترغب فيها لا شعوب المنطقة ولا شعوب العالم ككل لأن الشعوب هي التي تكتوي في النهاية بنيران الحروب وما يصاحبها من تخريب يستغرق سنوات طويلة لاصلاحه.

ومع التأكيد على ما أعلنه وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي من استعداد الجمهورية الاسلامية الإيرانية للتفاوض من ناحية، وما اشار اليه الأمين العام لمجلس الأمن القومي الايراني المسؤول عن الملف النووي علي لاريجاني من انه يمكن طرح كل القضايا على مائدة المفاوضات من ناحية ثانية، وما سبق ان اعلنته الولايات المتحدة من حق ايران في امتلاك التقنية النووية السلمية، وهو حق مشروع وفق معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية ومبادئ العمل في الوكالة الدولية للطاقة النووية، فإنه من غير المستحيل، بل من الممكن، التوصل الى توافق بين ايران والدول الست حول الضمانات التي يمكن لإيران تقديمها حتى يتيقن العالم ويثق تماما في ان برنامجها النووي هو فقط للأغراض السلمية.

نعم هناك بالتأكيد ازمة ثقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة بشكل أساسي والاتحاد الاوروبي بقدر اقل، واسباب ذلك معروفة منذ سنوات طويلة، ومع ذلك فإن المصلحة الإيرانية والأمريكية والغربية ومصالح كل دول وشعوب المنطقة تدعوا الى حل الخلافات بشأن الملف النووي الإيراني بالطرق السلمية ومن خلال التفاوض. ومن هنا تحديدا تبرز الحاجة الى العمل وبشكل جاد من جانب ايران والدول الست، بل من جانب اطراف اخرى الى العمل بدأب واخلاص لبناء الثقة المتبادلة التي تشكل في الواقع الارضية التي لا يمكن بدونها ان يتم التوصل الى تفاهم او توافق او السير نحو اتفاق لحل الخلافات المطروحة على طاولة المفاوضات.

وعلى ذلك تكتسب الجهود والمساعي الجارية والمبذولة، وما يصاحبها من اتصالات متعددة الاطراف والابعاد والمستويات، يكتسب الكثير من الأهمية ومن المهم والضروري والمفيد لكل الاطراف، خاصة في المنطقة وعلى امتداد العالم ايضا، دعمها ومساندتها والتجاوب معها لانها تشكل الطريق الأكثر أمانا لنزع فتيل خلافات قابلة للتصعيد وربما الانفجار، ولذا فإنه من الضروري استثمار التوجه المشار اليه والى ابعد مدى ممكن.