كل شيء في الاسكندرية يترك أثره فيك.. البحر أولاً، الناس، التاريخ، الطرز المعمارية المتباينة والممتدة ما بين حقب التاريخ والحضارات والثقافات، مسجد وضريح المرسي أبو العباس، مكتبة الإسكندرية بكل عراقتها وعالميتها، منطقة المنتزه والكثير من تفاصيل التاريخ المصري، شباب الاسكندرية بكل زخم الشباب وشقاوته، مراكب الصيادين الكثيرة، وأخيراً أكلة سمك في أبي قير التاريخية أو في أحد مطاعم «الفش ماركت» المطل على المتوسط، وتلك القلعة المهيبة ـ قلعة قيتباي.

هذه هي زيارتي الأولى للاسكندرية.. أزورها بدعوة من مدير مكتبة الاسكندرية الدكتور إسماعيل سراج الدين لحضور منتدى الإصلاح العربي الرابع والذي تنظمه المكتبة كتقليد سنوي منذ عام 2004 بعد توقيع وثيقة الاسكندرية من قبل نخبة من المفكرين والإصلاحيين العرب، هذا المنتدى ملتزم على أن يضع على أجندته السنوية وبصفة ثابتة كل ما له صلة بإشكاليات الإصلاح والتنمية وحقوق الإنسان ووضع المرأة في مختلف الأقطار العربية.

قد يبدو موضوع الإصلاح من أكثر المواضيع التي تشغل بال العرب في السنوات الأخيرة، وقد يشكل دخول الولايات المتحدة والغرب على خط الطروحات المختلفة في هذا الاتجاه إشكالاً آخر أدى إلى انقسامات فكرية حادة بين مثقفي الأمة وشبابها تحديداً، لكن هذا الانقسام لم ينف يوماً وجود هذه الرغبة ـ الجماهيرية على الأقل ـ في اجتياز الواقع العربي الراهن بكل انتكاساته واختناقاته السياسية والاقتصادية والثقافية باتجاه أفق آخر، أفضل ولو قليلاً.

هذا الانقسام قاد في الحقيقة إلى اتجاهين: اتجاه جعل نقاشاته ومؤتمراته مجرد ردات فعل لكل ما يطرح في الغرب، فإذا تحدث الغرب عن حقوق الإنسان عقدنا في العالم العربي مؤتمرات وندوات حول هذه الحقوق، وإذا طرح الغرب قضية تمكين المرأة متهماً إيَّانا بأننا ضدها وبأن الأنظمة العربية لا تمكنها ولا تشركها في القرار السياسي، عقدنا مؤتمرات وندوات أيضاً لنفي التهمة، دون أن يكون لدينا مشروع قومي عربي واضح ومحدد نضعه نحن وفق احتياجاتنا وإمكانياتنا، مشروع يضمن شفافية الممارسات وعمقها ويضمن بطبيعة الحال نجاحها في إحداث التغيير المنشود.

أما الاتجاه الآخر وهؤلاء قليلون جداً، منهم من ما زال متمسكا بأن ردات الفعل العربي وفق الأهواء الغربية والأميركية لن يوصل العالم العربي إلى أي طريق.. وتلك مبالغة في اليأس، فكل هذا النقاش الكثيف والدائر في العالم العربي اليوم سيقود إلى نتيجة بالتأكيد.

لفت النظر وبشكل فاقع، أن أغلب الحضور في المنتدى الذين مثلوا أقطار الخليج كانوا نساءً في المجمل، أكاديميات إعلاميات، ناشطات في مجال المرأة وحقوق الإنسان، ولم يحضر الرجال أبداً مع أن دعوات كثيرة وجهت لهم!

sultan@dmi.gov.ae