عطّل أربعمئة عامل حركة المرور صباح أول من أمس على شارع الشيخ زايد، إذ تجمعوا على جانبي الشارع لمدة ساعتين مطالبين بزيادة أجرهم اليومي درهمين، فالعمال يتقاضون خمسة وعشرين درهماً ويرغبون في الحصول على سبعة وعشرين درهماً، ومن أجل درهمين عطلوا الحركة المرورية التي كان من الممكن أن تستمر لمدة أطول لولا «إقناع» اللجنة الدائمة لحقوق العمال وشرطة دبي لهم بالعودة لعملهم.
استوقفنا الخبر ليس بسبب تجمهر العمال الذي بات متكرراً في السنوات الأخيرة، بل لأنهم بهذا المطلب كشفوا عن حقيقة ربما غابت عن الكثيرين، وهي أن الحوار مع رب العمل أو الجهات المسؤولة وسيلة لم تعد مجدية بالنسبة لهم، وأن التجمهر هو الوسيلة الأولى لتحقيق مطالبهم. كما أكدوا لنا أن تجمهرهم بات لأسباب لم نعهدها في السابق كالتأخر في دفع الرواتب، أو عدم توفير السكن الملائم، أو في حال عدم ملاءمة بيئة العمل، أو تجاوز ساعات العمل التي تم الاتفاق عليها، لأن تجمهرهم الأخير كان لزيادة الأجر، وهو ما يمكن اعتباره رفاهية وليس ضرورة تدعي التجمهر!!
هذا النوع من التجمهر زاد من مخاوفنا وهواجسنا وبات مؤرقاً أكثر من أي وقت مضى، على اعتبار أن الرغبة في زيادة الأجر وغيرها من الأسباب قد تدفع العمالة مستقبلاً لتعطيل الحياة في مجتمعنا حتى وإن كانت الأسباب من وجهة نظرنا لا تستدعي تجمهراً أو احتجاجاً.
ووصول العمال إلى هذا الحد من الجرأة وبهذه الصورة يعكس قدراتهم مستقبلاً على التجمهر ضد أي شيء ومن اجل أي شيء يخطر ببالهم، وهو الأمر الذي قد يترتب عليه تهديد مباشر للأمن والاستقرار في هذا الوطن ولو بدرجة بسيطة.
اللجنة الدائمة لحقوق العمالة في دبي ليس من مهامها حل مشكلة عمال يطالبون بزيادة أجورهم، ووزارة العمل في الدولة التي يفترض أنها المسؤولة بالدرجة الأولى عن اتخاذ خطوات إجرائية واستباقية لمنع وقوع احتجاجات وتجمهر عمالي «لا معنى له»، يبدو أنها غير قادرة على رفع مستوى وعي وثقافة العمال الذين بدأوا في فرد عضلاتهم في مجتمعنا بالحق والباطل، وليست قادرة أيضاً على التخاطب مع حكوماتهم حول السبل المثلى التي ينبغي اللجوء إليها لتقديم مطالبهم بعيداً عن التجمهر، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: إذا كان العمال قد تجمهروا اليوم للمطالبة بزيادة أجورهم وتسببوا في تعطيل حركة السير، فماذا نتوقع منهم مستقبلاً عندما يطالبون بأمور أخرى؟ وهل سيسمح للمواطنين بالمقابل مستقبلاً بالتجمهر فيما لو رغبوا ايضاً في زيادة رواتبهم او في حال لم تعجبهم أوضاع في وطنهم؟
العمالة التي تفوق في عددها سكان الدولة الأصليين، والتي تفتقر إلى الوعي والثقافة حتى فيما يتصل بحقوقها ومطالبها باتت قوة منظمة، ونخشى ان يأتي اليوم الذي تشل فيه حركة هذه الدولة فيما لو أعلنت إضرابها يوماً عن العمل لتجبرنا على الرضوخ لمطالبها، عندها ستصبح الأزمة كبيرة وخانقة.
الأمر الذي يجعلنا نأمل من الجهات الحكومية في الدولة ان تتخذ خطوات اكبر تلزم العمالة بقوانينها والسعي لتقديم مطالبها عبر قنوات وفرتها الحكومة لإنصافهم بدل التجمهر والفوضى. وذلك لا يمكن ان يحدث دون تعاون حكومات هذه العمالة التي لا ينبغي ان تحصر مواقفها وردود افعالها في الوقوف بصف عمالتها في حال وقع الظلم عليهم، بل في حثهم على السبل المثلى للتعبير عن رأيهم ومطالبهم بأساليب حضارية تتناسب مع المعاملة الحضارية التي يحظون بها من قبل الدولة.