بدأ رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل يرى الأمور بنظرة جديدة تختلف عن السابق، فهو الآن تجتاحه مشاعر الزعامة والمسؤولية ليس عن حركة مقاومة بل عن حكومة وشعب، ولهذا أخذت تصريحاته تبتعد عن الشعارات وتركز على أمور محددة كلاعب سياسي محوري في القضية الفلسطينية وليس مجرد معارض.
ولعل السمة التي اتسمت بها حركة حماس منذ فوزها في الانتخابات وتشكيلها حكومة فلسطينية هي أنها واصلت التصرف كمعارضة ولم تحاول إشعار الشعب الفلسطيني ككل أنها حكومته حتى أن أغلبية فلسطينية لا تذكر أسماء الوزراء وقد نما شعور بالمرارة في الضفة لأن الاستحواذ على القرار في حماس والحكومة تركز في غزة وتم تجاهل الضفة سياسياً وتنظيمياً وغذى هذا الشعور بعض التصريحات القاصرة لبعض الناطقين والوزراء في حكومة حماس الذين اعتبروا أن القضية الفلسطينية هي غزة وأن القرار في غزة.
وعوملت الضفة وكأنها بنغلاديش بالنسبة لباكستان. فاتفاق مكة الذي جوهره الشراكة السياسية بين الفصائل أهمل الجانب المناطقي، فالاتفاق أبقى على منصب رئيس الوزراء في غزة، لكن بعض الناطقين باسم فتح حاول جاهداً منح منصب نائب رئيس الوزراء الى شخصية من فتح في غزة، مثل محمد دحلان او نبيل شعث وهذا يعني تركيز مصدر القرار مجدداً في غزة وإهمال الضفة بالمطلق. وبعد اتفاق مكة حاول بعض قادة حماس في غزة المماطلة في استقالة الحكومة ووضعوا شروطاً أهمها إصدار مراسيم رئاسية لإضفاء شرعية على قرارات اتخذتها الحكومة قبل استقالتها، وتقاسم مناصب الوكلاء والسفراء والقناصل والمحافظين قبل الاستقالة.
وهذه النقطة جعلت الرئيس محمود عباس يتراجع عن إلقاء خطاب حول اتفاق مكة وسافر الى غزة، وجرى خلال ذلك أن اتصل خالد مشعل بقادة حماس في غزة وأكد على ضرورة الإسراع في تنفيذ اتفاق مكة بحذافيره دون تأخير ودون شروط مسبقة، وهذا التدخل أدى الى حل عقدة الاستقالة والى انفراج داخلي والدخول مباشرة في مشاورات تشكيل الحكومة.
ليس ثمة خلافات سياسية لتنفيذ الاتفاق باستثناء حركة الجهاد الإسلامي التي لها موقف مؤيد لاتفاق مكة ولكن دون مشاركة لأسباب إيديولوجية، اما استنكاف الجبهة الشعبية فهو وإن غلف بأسباب سياسية الا انه في واقع الأمر بسبب مطالبة الجبهة بأكثر من حقيبة حيث ان لها ثلاثة مقاعد برلمانية وكذلك فإن كتلة بديل اليسارية المشكلة من ثلاث فصائل ترغب في ثلاث حقائب مع أن تمثيلها البرلماني هو مقعدان فقط واحد لحزب الشعب وآخر للجبهة الديمقراطية.
فالخلاف هو في تقاسم الحقائب وليس لأسباب سياسية وربما هناك خلافات داخلية داخل حماس حول الوزراء لكثرة المرشحين وأيضاً في داخل فتح حول منصب نائب رئيس الوزراء حيث يكثر الطامحون في المنصب. وهذا يعني سطحية الخلافات الفلسطينية التي لا تتعدى تحقيق مكاسب شخصية او فصائلية.
ولعل الرئيس ابو مازن وخالد مشعل هما الوحيدان القادران على حسم هذه الخلافات، فهما اللذان يمارسان عملياً أعباء تسويق اتفاق مكة دولياً وعلى عاتقهما تقع مسؤولية فشل او نجاح حكومة الوحدة ويقال ان مشعل بات يقترب أكثر من مواقف فتح البراغماتية لأن جولاته الخارجية سواء في مصر والسودان وروسيا وغيرها تتيح له الإطلال على العالم من موقع مختلف، وعليه أن يعمل باتجاه اتخاذ مواقف سياسية مقبولة دولياً لاختراق الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني.
وفي هذا السياق فإنه يعمل باتجاه انجاز صفقة الأسرى التي تقوم مصر بالوساطة فيها وأعطى رد حماس عليها، لأن انجاز الصفقة سيمهد الطريق لإطلاق مئات الأسرى الفلسطينيين ومن بينهم قادة حماس من نواب ووزراء إذ لا يمكن لحكومة الوحدة أن تعمل وعشرات من الوزراء السابقين والنواب قيد الاعتقال.
وكان الإسرائيليون لمحوا سابقاً أن إطلاق سراح الجندي الأسير هو المحك للحكومة الفلسطينية وإضافة الى ذلك أكد مشعل مجدداً الفصل بين حكومة الوحدة وبين مواقف الفصائل المشاركة فيها، وأكد ان المسؤولية التفاوضية هي من شأن الرئاسة وليس الحكومة. عملياً يمكن القول ان حماس بعد اتفاق مكة ليست حماس قبلها، حيث ان الشعور بالمسؤولية الوطنية - وليس الفصائلية طغى على قادتها لأن مفهوم الشراكة الوزارية يفترض ذلك ولأن اتفاق مكة لا يمكن نقضه او الالتفاف عليه. ولأن الدولة الراعية له وهي المملكة العربية السعودية تراقب تنفيذه وتتدخل عند الضرورة. فلا مجال للتأويلات والمماطلات.
إذاً يمكن القول ان مرحلة ما بعد اتفاق مكة دشنت مشعل كقائد سياسي براغماتي. لأن العمل السياسي يتطلب لغة تختلف عن اللغة الفصائلية التي تستند فقط الى الشعارات الصماء. ولكن حركة حماس مثلها مثل فتح ليست بمعزل عن الصراع الداخلي.
وهنا يبدو أن عباس ومشعل هما القادران على دفع اتفاق مكة الى الأمام لأن ترك الأمور في أيدي القادة الآخرين خاصة في الداخل يعني المزيد من المماطلة والصراعات الداخلية.