عندما بدأ ما يسمى ب(حرب تحرير العراق ) والذي هو في الحقيقة غزو العراق عام 2003 لملمت الولايات المتحدة مجموعة من الحلفاء في مقدمتهم بالطبع الحليف الدائم والداعم في السراء والضراء بريطانيا. وكان إلى جانبها دول أخرى ليس لها ناقة أو جمل في ما جرى أو يجري في العراق بل ونشك أن بعض مواطني هذه الدول كانوا يعرفون أن هناك دولة اسمها العراق.
ونذكر من هؤلاء الحلفاء الذين شاركوا في إرسال جنودهم إلى العراق ايطاليا واستراليا واليابان والدنمارك وبولندا وبلغاريا ولتوانيا وكوريا الجنوبية والبوسنة والهرسك. . الخ وإذا ذهبت إلى العراق سوف تجد أجناساً من الجنود ما انزل الله بها من سلطان (هنود وسرلانكيون وتايلنديون يتم استخدامهم من قبل القوات الأميركية كحراس أمنيين تابعين لشركات حراسة وأمن خاصة).
وكما أن هناك دولا شاركت في غزو العراق بالجنود هناك من ساهم بطرق أخرى من خلال تقديم الخدمات الطبية والخدمات الأمنية بل وهناك من ساهم بالكلاب المدربة وهو أمر مهم للإمعان بإهانة هذا البلد العربي المسلم.
وعموما وبعد أكثر من أربع سنوات على غزو العراق لم يبق الكثير من هؤلاء الذين جاءوا بناءً على ما قاله لهم رئيس الولايات المتحدة وقائد حرب التحرير المزعومة جورج بوش بأن الناس في العراق سوف يستقبلون جنود التحالف بالورود والموسيقى ومنذ الساعات الأولى لهذا الغزو يبدو أن مقالة بوش لم تكن سوى حلم في رأسه المليء بالأحلام الغريبة الأخرى مثل النصر في أفغانستان والديمقراطية والحرية في العراق.
ومنذ الأيام الأولى لاحتلال العراق تم تغيير اسم العلاقة التي تربط بين الولايات المتحدة وتلك الدول التي ساهمت في الغزو حيث تحول التحالف إلى ائتلاف على اعتبار أن الحليف يكون في السراء والضراء بينما أدركت معظم تلك الدول وبضغط من شعوبها أن لا سراء في العراق وان هناك تكاليف بشرية لا تتحملها تلك الدول هذا بالإضافة إلى أن لا جدوى في الذهاب بعيدا مع الولايات المتحدة في كارثة لم تتسبب إلا في انهيار بلد بأكمله وحرب تبدو أن نيرانها لا حد لها ولا فرق فيها بين عربي أو أعجمي.
وعليه بدأ المؤتلفون بالانسحاب من العراق بالتدريج فانسحبت ايطاليا واليابان ودول أخرى ولم يبق إلا وجود رمزي لدول أخرى وبالتالي لم يبق في الملعب العراقي سوى الولايات المتحدة التي أخذت تزيد من حجم قواتها وبريطانيا التي بدأت بعد منتصف 2005 خجلة من وجودها في العراق حتى أخذت تتراكم عليها البلايا من اتهام بلير بالكذب بخصوص ملف العراق النووي وارتباط النظام العراقي السابق بالقاعدة، وفضيحة الجنود البريطانيين وأعمال العنف في البصرة التي بدأت تحصد أرواح الجنود البريطانيين . الخ..
حتى وصلنا إلى اليوم الذي تعلن فيه بريطانيا عن خفض لقواتها بمعدل النصف بعد الانسحاب من البصرة وتسليم مهام الأمن فيها إلى الحكومة العراقية. والشيء بالشيء يذكر أعلنت الدنمارك على لسان رئيس وزرائها اندرس فوغ راسموسين عن إجراء سحب جزئي أو كلي لقواتها مطلع أغسطس المقبل، وتلا ذلك إعلان لتوانيا عن عزمها سحب قواتها من العراق.
ولو سلطنا الضوء على القرار البريطاني فإننا سوف نكتشف مجموعة من الاحتمالات والتي من أهمها:
الاحتمال الأول: ان بريطانيا وجدت فعلا ان الوضع الأمني في جنوب العراق وخاصة في البصرة لا يستدعي وجود القوات البريطانية. إلا أن هذا الاحتمال يبدو بعيداً وإذا ما دققنا النظر في الواقع الراهن فانتم تعرفون بان لا مكان آمن في العراق لا في الجنوب ولا في أي مكان.
وإذا كان الأمن في البصرة يعني عدم وجود ما ينافس مفخخات بغداد فان سيطرة المليشيات في البصرة قد يقلل الفارق مع بغداد. وبالتالي فان ذريعة انسحاب القوات البريطانية القائمة على اعتبار أن هناك أمناً في البصرة لا تبدو قريبة من المنطق السائد في العراق.
الاحتمال الثاني: ان هذا القرار هو نتيجة تبلور إدراك لدى القادة البريطانيين بان هناك منعطفا خطيرا سوف يحدث في العراق. هذا المنعطف تبدو ملامحه على اثر عدم تحقيق الخطة الأمنية الأميركية أي تقدم ملموس، وبالتالي احتمال انتقال أعمال العنف إلى مناطق خارج بغداد وهو أمر لا تريد القوات البريطانية حدوثه لأنه يعني ازدياد عدد الخسائر التي لا تقوى بريطانيا على تحملها أمام الرأي العام البريطاني.
الاحتمال الثالث: هو أن بريطانيا بدأت تفكر بسحب قواتها على اثر التهديدات الأميركية بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران. وبالتالي فانه حتى إذا كانت تلك التهديدات تبدو بعيدة وغير ممكنة إلا أن العقلية السياسية البريطانية ارتيابية وتحسبية بطبيعتها، خاصة وان التجربة الطويلة التي تربطها بالولايات المتحدة وبخاصة إدارة بوش تجعل كل الاحتمالات مهما كانت كلفتها ممكنة.
الاحتمال الرابع: أن يكون هذا القرار بفعل ضغوط غير معلنة تتعرض لها القوات البريطانية من قبل قوى إقليمية خاصة إيران وبالتالي فان القوات البريطانية قررت الانسحاب إلى مناطق أكثر أمناً بدل الانتشار العشوائي الذي يضاعف من المخاطر التي تتعرض لها تلك القوات. وهذا الأمر أكده ديس براون وزير الدفاع البريطاني الذي أعلن إن القوات البريطانية تجري عملية إعادة انتشار في جنوب العراق وليس انسحابا وان القوات البريطانية سوف تتمركز في مطار البصرة الدولي وأماكن أخرى من جنوب العراق.
عموما كل الاحتمالات ممكنة بما فيها انسحاب متسلسل لمعظم تلك الدول التي شاركت مع الولايات المتحدة في غزوها للعراق لكن الأمر بالنسبة لبريطانيا يبقى بعيدا فمهما كانت اعتراضات الداخل والتغيرات السياسية والخسائر في القوات البريطانية وازدياد حجم التهديد لها وتواتر الفارين من سفينة العراق الآخذة بالغرق التدريجي بفعل قوة الجذب نحو القاع القادمة من الأسفل من تلك القوى والمليشيات والعصابات المسلحة غير المكشوفة الوجه ومن قبل قوة الدفع المسلطة من الأعلى والتي تمثلها الولايات المتحدة وحلفائها والقوى الإقليمية الطامعة وأشباه السياسيين المتخبطين.
على الرغم من كل تلك الحقائق إلا أن بريطانيا والولايات المتحدة ستكون آخر من يفر من السفينة الغارقة وهذا شيء بديهي يعرفه العراقيون والعرب الذين خبروا التعامل مع الاستعمار طريقته في الهرب. ولكن الشيء المقلق هو أن يتم الهرب إلى سفينة أخرى خاصة وان معظم سفن الشرق الأوسط مهددة بالغرق.
كاتبة عراقية