تدور أسئلة كثيرة هذه الأيام مع تزايد حدة التصريحات والتوترات السياسية بسبب شروع الشركات النفطية البدء بتقديم مناقصاتها للشروع في التنقيب عن النفط والذي استمر ما يناهز الثلاث سنوات من المسح الجيولوجي وبعد أن هلت تباشير وجود كميات من النفط والغاز بدأ يسيل لعاب تركيا والقبارصة الأتراك فبدأ التلويح بالتهديد والوعيد » بل وقال وزير خارجية تركيا عبد الله غول إن التنقيب في تلك المياه خط احمر لن نسمح به فتلك الثروة ملك للجزيرة كلها وليس للقبارصة اليونانيين.

وفي الوقت ذاته فإن جمهورية الشمال المحتل كما يسميها القبارصة اليونانيون لم تحظ حتى هذه اللحظة إلا باعتراف تركيا الأم منذ احتلال الجزيرة صيف 1974، حيث بدأت أجراس التوتر تقرع في نيقوسيا وأنقرة فوجد الاتحاد الأوروبي نفسه يدخل على خط تلك التجاذبات السياسية في وقت يرى الأمين العام الجديد للأمم المتحدة أن عام 2007 هو عام حل المشكلة القبرصية «داعيا الأطراف المتنازعة جميعها للعودة إلى طاولة المفاوضات» فبدأت أنغام الغزل تعزف في اوركسترا نيقوسيا الشمال لعلها تصل حدودها المجاورة للعاصمة المقسمة.

والمفارقة هذه المرة هو أن يجد رئيس القبارصة الأتراك نفسه والمحسوب على كتلة اليسار حيث كان حضنه الدافئ في الجنوب القبرصي حزب اكيل الشيوعي في مرحلة دنكتاش ولكنه حالما اعتلى سدة الرئاسة تبدلت البوصلة نحو مغازلة اليمين (ديسي) عندما وجد في التحالف الثلاثي للحكم مواقف متشددة إزاء المشكلة القبرصية «وثارت زوبعة التحالف الحاكم عندما أراد اليمين الذهاب إلى الشمال بدعوة من رئيسها للتحاور حول القضية القبرصية والبحث عن سبل لمعالجتها.

ولكن التحالف الحاكم اعتبر قرار الذهاب إلى الشمال تخط للحدود الرسمية وان مشكلة بحجم المشكلة القبرصية لا يجوز مناقشتها خارج حدود الرئاسة والإجراءات البرتوكولية وان سقف الحزب هو السماح له بمقابلة على مستوى الأحزاب وليس الرئاسة مما دفع بالمسؤولين في الشمال ( الحزب الجمهوري القبرصي التركي الحاكم ) بزيارة رسمية إلى الجنوب للتحدث مع الأمين العام لحزب ديسي وقد تمخضت المقابلة عن تأكيد الحزبين على ضرورة استمرار الحوار وبإبعاد لوردات الجيش الأتراك عنه وبسحب القوة العسكرية من خطوط التماس كتعبير عن بناء الثقة وبضرورة الحفاظ على ممتلكات الجنوبيين في الشمال.

وقد وجد رئيس الشمال عذرا دبلوماسيا في الهروع بسرعة لزيارة كليريدس رئيس الجمهورية ولحزب ديسي السابق الذي دخل للمستشفى فجأة نتيجة مشكلة في القلب. تلك الزيارة الدبلوماسية ليست إلا حياكة قديمة لثوب جديد للمشكلة القبرصية خاصة في ظرفها المشجع حيث هناك ثروة هائلة من النفط تنتظر الجزيرة «ويود الشماليون مشاطرة الجنوبيين تلك الثروة إذ لم يخف رئيس الشماليين الحقيقة فقد أثار هذه الأيام ضرورة تقاسم النفط بين الشطرين، مع أن التنقيب عن النفط يقع في حدود الجرف المائي وسيادة الجنوب.

وقد وجد القبارصة اليونانيون أنفسهم يردون على مطالب الشماليين بتقاسم النفط بأنهم لا يمانعون بذلك شريطة توحيد الجزيرة، بل وجدوا في السلاح الجديد ورقة جيدة للضغط والحوار بعد ورقة دخولهم في الاتحاد الأوروبي، فتحريك البوارج التركية في المنطقة المحاذية للمياه القبرصية تحت حجة المناورات الروتينية لم يقبلها القبارصة اليونانيون ولا الاتحاد الأوروبي الذي رأى فيها سلوكا غير مقبول مما يؤثر على نظرة الاتحاد لتركيا وطلب دخولها في الاتحاد الأوروبي.

ونتيجة لهذه المشكلة عبرت شخصيات وأحزاب عديدة في الاتحاد والبرلمان الأوروبي عن رفضها للتهديدات التركية بإيقاف قبرص عن مواصلة تنقيبها وحفرها واعتبرتها غير مقبولة على الإطلاق. وان التهديد الموجه إلى قبرص سيعتبر موجها للاتحاد الأوروبي ككل. ورأت لجنة الشؤون الخارجية للمفوضية الأوروبية في الاتحاد الأوروبي، أن تحريك البوارج الحربية سلوكا مرفوضا من تركيا ولا ينبغي أن يتكرر» فهناك وسائل للنقاش بطرق شرعية وأكثر حكمة «وان من حق الجمهورية القبرصية أن تعقد اتفاقات ثنائية وفق القانون الدولي طالما أن ذلك مرتبط بحدود سيادتها المشروعة.

وفي هذا السياق عبر وزير النفط المصري عن أن مصر تحترم اتفاقياتها الثنائية والتعاون المشترك في ظل القانون الدولي وهذه الاتفاقيات لا تؤثر على علاقاتها بالآخرين، ومن المعروف أن المياه الإقليمية في منطقة الجنوب والشرق من الجزيرة تتقاسمها لبنان وجمهورية مصر العربية، واللتان وقعتا اتفاقيات ثنائية في سبيل مواصلة التنقيب عن تلك الثروة الواعدة، إذ ستصبح قبرص من الدول النفطية الجديدة في البحر الأبيض المتوسط كما هي كمبوديا في منطقة شرق آسيا، ومن المهم أن يصبح عضوا في الاتحاد الأوروبي مالكا وممولا جديدا للنفط والغاز للاتحاد الذي بدأ يعاني من تناقص في موارده من الطاقة.

وأشار خبراء في مجال النفط والغاز عن وجود تلك الثروة بعد مسح 90 كيلو مترا من مائة كيلو متر من جنوب غرب الجزيرة. وتشكل منطقة جنوب الجزيرة 70 ألف كيلو متر مربع من مياهها الإقليمية وقد قسمت إلى 13 منطقة (افشور) وستمنح 11 منها رخصة للتنقيب كمرحلة أولى بعد حصول المستثمرين على المعلومات والخرائط المتوفرة للدولة. ومن المعروف أن شركة بي بي واكسون وموبايل أبدت رغبتها في التنقيب منذ العرض الذي قدمته قبرص في لندن في نوفمبر من العام الفائت كما أن الصين وروسيا أبديتا رغبتهما في الحصول على تلك المعلومات.

ومع انطلاقة افتتاحية المشروع في فندق الهيلتون بنيقوسيا بحضور وزير النفط المصري «سأل الصحافيون إن كانت كمية المخزون تجارية أو كبيرة فلم تكن إجابة وزير التجارة والصناعة القبرصي واضحة بقدر ما تملص من إعطاء جواب محدد حيث قال «لو كانت لدينا إجابة كاملة عن حجم الكمية هل هي كبيرة أم هائلة لما قمنا بالتنقيب وشرعنا مباشرة في الحفر والاستخراج، ولكن المؤشرات جميعها مشجعة وسأكتفي في هذا الوقت بالقول عن أنها كميات مرضية».

أخيراً وجدت افروديت نفسها أنها لا تستحم في مياه راكدة وإنما تنام فوق مخزون من الذهب الأسود قد يعكر مرة أخرى ذلك الهدوء الرومانسي، ويدخلها بسبب النفط في نزاعات جديدة ومناوشات ربما تكون نتائجها تدفع لحلول اشمل في توحيد الجزيرة أو الإسراع بقبول فكرة دولتين.

كاتب بحريني