عديدة هي المقالات والآراء التي كرّسها أصحابها للحديث عن أصوات الفرنسيين من أصول عربية وإسلامية وأين ستصب في المعركة الانتخابية الرئاسية بعد أسابيع قليلة. ولكن ماذا عن أصوات اليهود؟ بكل الحالات هذا حديث في السياسة وليس في المعتقدات.
قبل الخوض في مسائل الزمن الراهن قد يكون من المفيد العودة إلى بعض المحطات- المنعطفات في تاريخ اليهود بفرنسا. كانت المحطة الأولى عام 1791، أي بعد عامين من قيام الثورة الفرنسية الكبرى 1789. ففي تلك السنة جرى اعتبار اليهود «مواطنين فرنسيين» شريطة أن يقسموا يمين الولاء للجمهورية واحترام قوانينها؛ ومحطة ثانية كبرى عام 1870 عندما منحت باريس الجنسية الفرنسية لليهود الجزائريين؛ وفي عام 1962، أي عندما استقلت الجزائر بعد 132 سنة الاستعمار الفرنسي، هاجر المئة ألف يهودي منها إلى فرنسا وباتوا يشكلون اليوم نسبة هامة من مجموع اليهود الفرنسيين البالغ عددهم، حسب الإحصائيات، ما بين ستمئة وسبعمئة ألف شخص.
عانى اليهود من الاضطهاد في فرنسا خلال القرن التاسع عشر، وناصبتهم صحيفة «الصليب» الناطقة باسم الحزب الكاثوليكي الملكي العداء، على قاعدة أنهم صلبوا السيد المسيح حسب الأطروحة الكاثوليكية الشهيرة التي ظلّت سارية المفعول طيلة ألفي عام إلى أن (أبطلها) المجمع الكنسي المعروف ب(الفاتيكان الثاني) عام 1965 فقط.
وكانت فرنسا قد انقسمت خلال سنوات 1896-1906 بين تيارين عريضين حيال قضية الضابط اليهودي الفريد دريفوس الذي اتهموه بالخيانة وتسليم أسرار عسكرية للعدو الألماني. تيار طالب بأقصى العقوبات ضده وتيار دافع عن براءته وكان من رموزه الروائي الفرنسي الشهير اميل زولا الذي نشر في الصحف رسالة مفتوحة لرئيس الجمهورية تحت عنوان: «إني أتهم». انتهى الأمر بإثبات براءة دريفوس وإعادة الاعتبار له عام 1906.
أما فترة اضطهاد اليهود الأكثر «حداثة» فكانت في ظل حكومة فيشي برئاسة المارشال بيتان أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية. ولم تتردد حكومة المارشال في نزع الجنسية الفرنسية عن اليهود ذوي الأصول الجزائرية، أي ألغت قانون 1870.
ثم اتخذت قرارا بتجميع اليهود وإرسالهم إلى معسكرات الاعتقال النازية حيث لم تعد أعداد كبيرة منهم. ولا يمكن للمرء إلا أن يدين ما فعلته النازية باليهود فقط لكون أنهم يهود، كما لا يمكنه إلا أن يدين جرائم الصهاينة اليهود ضد الشعب الفلسطيني التي تضاهي في بشاعتها أفعال النازية. كان الجنرال ديغول هو الذي ألغى لاحقا إجراءات حكومة فيشي.
وكإشارة أخيرة في سياق «تاريخ» اليهود في فرنسا، دلّ استطلاع للرأي أجري عام 2006 أن 17 بالمئة من الفرنسيين فقط هم ضد أن يكون رئيس الجمهورية الفرنسية يهودياً بينما كانت هذه النسبة 50 بالمئة عام 1966. هذا يعني بوضوح أن المجتمع الفرنسي قد تطور وأن اليهود قد اندمجوا في نسيجه، على الأقل بما لا يقاس بالمقارنة مع الناخبين الفرنسيين من أصول عربية وإسلامية والذين لا يحلم أحد منهم تقريبا، ليس بالرئاسة، بل وبعضوية الجمعية الوطنية الفرنسية.
يبقى وجود أحدهم على كرسي المحافظ أو سكرتير دولة بمثابة استثناءات «تجميلية»، ثم إنها تؤكد القاعدة ولا تنفيها. المسألة ليست بـ «الكم» وإنما بالأحرى بـ «النوع». واليهود يشاركون بفعالية في الحياة السياسية الفرنسية، ولهم وزنهم في المعارك الانتخابية، لاسيما الرئاسية منها، ذلك منذ عقود على خلفية دورهم المركزي في ميداني المال والإعلام.
من المعروف أن أصوات اليهود الفرنسيين قد «صبّت» في الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 1981 لمصلحة المرشح الفائز فيها فرانسوا ميتران «الصديق التاريخي لإسرائيل» وضد فاليري جيسكار ديستان الذي وصفوه آنذاك بـ «عدو إسرائيل».
واليوم يبدو أن أصوات «اليهود تميل باتجاه ساركوزي»، أي نيكولا ساركوزي، رئيس حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، والمرشح الأوفر حظا للفوز في الانتخابات الرئاسية من معسكر اليمين. هذا ما تدل عليه مؤشرات وتصريحات كثيرة، وما كرّست له مجلة «ماريان» الأسبوعية أحد مقالاتها الرئيسية لعددها في أسبوع 17-23 فبراير 2007.
هذه هي إذن المرة الثانية بعد عام 1981 التي «تتعبأ» فيها أصوات اليهود كـ «طائفة» لدعم مرشح محدد، وهو هذه المرّة مرشح اليمين، بينما كان في المرة السابقة مرشح اليسار. وهل يعود الأمر لمجرد أنهم «يميلون مع الرياح حيث تميل»؟! ففرنسا كانت تجنح نحو اليسار عام 1981 وهي اليوم «تؤشر» نحو اليمين، هذه حقيقة واقعة ولكنها لا تفسر كل شيء، إذ هناك أسباب أخرى تدفعهم نحو ساركوزي.
السبب الأول والجوهري يتعلق بمواقف ساركوزي من إسرائيل. وإذا كان لا بد من التأكيد أولا أن اليهود الفرنسيين ليسوا جميعهم صهاينة ولا يؤيدون كلهم سياسة التمييز والقمع الإسرائيلية، فإنه لا بد من القول أيضا أن كل ما يتعلق بإسرائيل ليس موضوعا للنقاش بالنسبة لأغلبيتهم وهي ليست بلدا كالبلدان الأخرى لهم كلهم.
وهنا «يتميز» ساركوزي بمواقفه «الواضحة» حيال إسرائيل وتودده «الدؤوب» لليهود. وهكذا يحرص دائما على حضور احتفالات المؤسسات اليهودية وتلبية دعواتها. ويحرص دائما على ذكر أن أمّه لها، من جهة والدها، أصول يهودية من سالونيك، وأن أحد أجداده كان يهوديا. وكان ساركوزي قد أكّد أثناء زيارته لإسرائيل أنه يمكن لإسرائيل أن «تعتمد على دعمه» إذا جرى انتخابه رئيسا للجمهورية.
ووصفه شارون أنه «أحد أصدقاء» إسرائيل بينما اعتبر شيمون بيريز، وكان آنذاك رئيسا لحزب العمال، أن اللقاء به مهم و«تنبغي رؤية المستقبل» من خلاله. وكان كريستيان استروزي، وزير السكن الفرنسي، وأحد الموالين دون تحفظ لساركوزي، قد قال في زيارة مؤخرا له إلى إسرائيل أن «ساركوزي هو المرشح الطبيعي للناخبين اليهود». كما كان ساركوزي نفسه قد حرص أثناء زيارته لواشنطن اللقاء باللجنة اليهودية الأمريكية التي وصفه رئيسها بالقول إنه «رجل محبوب يملك الرؤية والشجاعة والدينامية»، والأمثلة من هذا النوع عديدة.
ويحظى ساركوزي بدعم اتحاد أرباب العمل والمهنيين اليهود في فرنسا الذي انتخبه «رجل السياسة لعام 2006» وقال رئيس الاتحاد أثناء منحه الجائزة بتاريخ 30 مارس 2006 أنه «سيعرف كيف يعطي نفحة جديدة للصداقة المتينة التي تربط باريس وواشنطن والقدس». لكن لا شك ايضا أن أرباب العمل اليهود يفكرون أيضا بتخفيض الضرائب إذا فاز مرشحهم.
ويرى اليهود الفرنسيون أن ساركوزي «واضح» أيضا بالقياس إلى مرشحة اليسار سيغولين رويال «المبهمة» والتي زارت «الأراضي المحتلة» على عكس ساركوزي، الذي وعد بزيارتها في تصريح لصحيفة «ليبراسيون» عام 2004، بل وحدد شهر مارس 2005 تاريخا للزيارة التي لم تتم أبدا.
وربما من حظ «ساركوزي» أن السيدة رويال هي التي فازت بترشيح الحزب الاشتراكي لها من أجل خوض الانتخابات الرئاسية وليس منافسها الرئيسي للترشيح دومينيك ستروس-كاهن الذي يُنقل عنه تصريحه لمجلة «تريبون جويف»، أي «المنبر اليهودي» قوله عام 2003: «أستيقظ كل صباح وأتساءل كيف يمكنني أن أكون مفيدا لإسرائيل».
وبعد هذا كله، ورغم هذا كله، هناك فرق كبير بين وعود المرشح وسلوكية الرئيس المنتخب الذي تبقى مصلحة الدولة هي العليا بالنسبة له، ثم إن الوعود الانتخابية قد لا تلزم سوى اولئك الذين تتوجه لهم.
كاتب سوري