من أكثر المخاطر التي تثير الخوف، هو إقدام الإنسان بجهل على حماقة الانتحار باستخدام العلم لصناعة الموت بدلا من صنع الحياة، ولما يقود إلى فناء البشرية بدلا من إبقائها، ولتدمير الأرض بدلا من تعميرها، وليس هناك مثال على ذلك أوضح من توظيف الطاقة النووية البناءة لاختراع الأسلحة النووية المدمرة، والأخطر من اختراعها هو صنعها، والأبشع من صنعها هو استخدامها.
لكن الأسوأ من كل ذلك هو إقدام الإنسان على اختراع طاقة أكبر من طاقته على السيطرة عليها أو التحكم فيها، وهذا بالضبط ما عبر عنه عالم الفيزياء اليهودي الأميركي الشهير «ألبرت اينشتاين» صاحب نظرية النسبية للكاتب الصحافي المصري العربي الكبير «محمد حسنين هيكل» عندما التقيا عام 1953 في «واشنطن» معبرا عن ندم عالم وخوف إنسان على مستقبل العالم مع بدء السباق الدولي على امتلاك السلاح النووي.
وبقيت مقولته الشهيرة قبل وفاته عام 1955 في عمر الستة والسبعين عاما وهو يقول: «لقد ارتكبت خطأ عظيما في حياتي عندما وقعت على خطاب للرئيس روزفلت أوصيه فيه بصنع القنبلة النووية» إنه أكبر مثال على ندم العالم، لكنه أوضح مثال على خوف الإنسان من المستقبل خاصة بعد استخدام الرئيس الأميركي للقنبلة التي أوصاه بصناعتها ودمر بها الإنسان والبنيان في اليابان في الحرب العالمية الثانية هو مقولة أينشتاين المعروفة: «لا أعرف نوع سلاح الحرب الثالثة، لكني أعرف أن العصا والحجر سيكونان السلاح الوحيد في الحرب الرابعة».
تتداعى هذه الأفكار بينما يتداعى علينا «الأكلة على قصعتها» من ملاك الأسلحة النووية الأشد هولا وتدميرا من قنابل «هيروشيما» و«نجازاكي» الأميركية الصنع في محاولة لإخضاع الأمة بمنطق القوة العسكرية، والهيمنة على العالم بفائض القوة النووية، بمنع العرب والمسلمين من امتلاك ليس فقط سلاح للردع النووي لمواجهة السلاح النووي الإسرائيلي، بل أيضا من مجرد امتلاك التقنية النووية لصناعة الحياة والتعمير لا لصناعة الموت والتدمير.
ويتضاعف القلق على مستقبل الأمة والعالم، بينما تتفاقم الأزمات الدولية حول الملفات النووية الحالية المتأزمة على الساحة بسبب محاولات بعض القوى الكبرى من ملاك السلاح النووي الذين يشنون الحروب ويحتلون أراضي الشعوب لمنع الدول الصغرى التي تشعر بالتهديد والتي تقاوم محاولات الإخضاع وترفض مشاريع الهيمنة من محاولة كسر احتكار الدول الكبرى للطاقة النووية العسكرية أو السلمية على السواء دفاعا عن النفس.
لكن المشهد النووي العالمي الحالي الذي ينذر بالكارثة مع فشل الدول النووية الكبرى من الإبقاء على احتكارها لملكية السلاح النووي، ومع فشل المعاهدة الدولية لمنع انتشار السلاح النووي من المنع الفعلي لانتشار السلاح النووي إلى أيدي الدول الأخرى كالصين والهند وباكستان، فضلا عن إسرائيل طبعا، والذي لا يستبعد في ظل موازينه المختلة ومعاييره المزدوجة دخول أعضاء جدد إلى النادي النووي.
وهذا كله تتحمل مسؤوليته الدول النووية الكبرى لأنها لا تطبق معاهدة وقف التجارب بدقة، كما تنتهك المبادئ الإنسانية والقانونية لمعاهدة حظر الانتشار مرتين، بينما من يكسر احتكارها للسلاح النووي العسكري ينتهكها مرة واحدة فقط، في حين أن من يكسر احتكارها للطاقة النووية السلمية لا ينتهكها على الإطلاق.
وإن كان الطرفان من ملاك السلاح القدامى والجدد مخالفين للالتزامات الدولية، إلا أن من يخالف مرتين هو الذي أجبر من يخالف مرة واحدة على انتهاك المعاهدة إن كان من الموقعين عليها، ودفع من يخاف من التهديد إلى المسارعة إلى امتلاك السلاح النووي بعيدا عن رقابة الوكالة الدولية للطاقة النووية إن كان من غير الموقعين.
الدول المالكة وعلى رأسها الولايات المتحدة خالفت المبادئ الإنسانية والأخلاقية أولا بصنع القنبلة النووية التي تزرع الموت والخوف لدى الآخرين وتهدد البشرية بالفناء، وثانيا باستخدامها في الحرب العالمية الثانية، وخالفت مرة أخرى النصوص القانونية للمعاهدة التي تلزم الدول المالكة بالبدء في التخلص من ترسانتها النووية وصولا إلى عالم خال من السلاح النووي في مقابل منع الدول الأخرى غير المالكة من امتلاك الأسلحة النووية، لكنها لم تسع بجدية إلى تدمير مخزونها النووي وتتمسك باستمرار امتلاكها بل والتهديد بها حتى الدول الصغرى، بل الأدهى من ذلك أنها سارعت في اتجاه عكسي إلى تطويرها وتطوير صواريخها وغواصاتها الناقلة والحاملة لها نحو أهدافها!
ولأن من يصر على احتكار تملك السلاح النووي يفقد المنطق والمصداقية إذا هو طالب من لا يملك بالامتناع عن ملكية ما يشكل له درعا دفاعيا رادعا إذا كان يشعر بالتهديد ممن يملك بالفعل، ولأن من يملك برنامجا نوويا عسكريا ليس من حقه منع من يريد امتلاك برنامج نووي سلمي بموجب نصوص الاتفاقية الدولية، ولأن من لا يريد أن يملك الأسلحة النووية من حقه أن يملك التقنية النووية بما في ذلك التخصيب النووي لتوفير الوقود النووي للأغراض السلمية بمساعدة ورقابة الوكالة الدولية للطاقة النووية فإن القانون والمنطق يقتضيان أن يتخلى من يملك أولا حتى يمنع من لا يملك، وأن الذي يقوم بالتخصيب للأغراض العسكرية عليه أن يوقف التخصيب للأغراض العسكرية قبل أن يجيش الجيوش على الذين يخصبون للأغراض السلمية، ويجب على العالم ألا يخضع لمنطق القوة وأن يدافع عن القانون والمنطق.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الأزمة الأميركية الإيرانية فيما يتعلق بالمسألة النووية بفعل زيادة الحشد العسكري الأميركي التقليدي والنووي في الخليج العربي لتهديد إيران.
وفى ظل إصرار إيران على الاستمرار في ممارسة حقها بالتخصيب النووي تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة طبقا للمعاهدة الدولية، فإن المشهد يبدو بالغ الخطورة وينذر بكارثة كبرى إذا أقدمت الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل على تنفيذ تهديداتها بشن حرب ضد إيران، إن السماح بوقوع مثل هذه الكارثة الكبرى التي سوف تدفع دول الخليج العربي مع أميركا المهزومة في العراق ومع إيران المأزومة مع الغرب ثمنها الأكبر يدعونا جميعا للعمل بكل ما لدينا من أدوات إقناع.
وضغط على الجانبين سعيا لحوار بلا شروط لحل القضية الإيرانية بالوسائل السياسية على غرار حل الأزمة الكورية.. كما تدعو شعوبنا العربية والإسلامية لترفع أصواتها مع أصوات الملايين في لندن التي خرجت لتقول لبوش وبلير أوقفوا الكارثة.. «أوقفو الحرب».
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com