تعتبر زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين الحالية للولايات المتحدة الاميركية حدثا سياسيا له اهميته الاستثنائية نظرا للاوضاع المعقدة في منطقة الشرق الاوسط من ناحية ، وللتغيرات السياسية على الساحة الاميركية اثر فوز الديمقراطيين باغلبية نيابية من ناحية ثانية ، الامر الذي سيؤثر على موقف الادارة الاميركية ازاء قضايا المنطقة مثلما نلاحظ من نقاشات بين الجمهوريين والديمقراطيين خلال جلسات كل من مجلسي الشيوخ والنواب في الاونة الاخيرة.

وسط هذا الجدل يأتي خطاب جلالة الملك المنتظر في الاسبوع المقبل في جلسة مشتركة الكونغرس الاميركي بمثابة عرض للحقائق كما يراها زعيم من المنطقة يحظى بالاحترام والتقدير من كلا الحزبين ، ويتمتع بمصداقية عالية دلت عليها مواقفه المساندة للأمن والسلام والازدهار لجميع الشعوب ، وفهمه المخلص لمعنى الصداقة على مبدأ «صديقك من صدقك».

ولن نسبق الحدث بالنسبة لمضمون الخطاب الذي سيلقيه جلالته في هذه الجلسة التاريخية ، ولكن من الضروري ان نفهم نحن في العالم العربي أهمية اعطاء فرصة من هذا النوع لزعيم عربي هو الاكثر تحركا على الساحتين القومية والدولية بدافع حل الازمات الاقليمية على اساس الحوار والتفاهم ، وسد الطريق على القوى التي تعتمد العنف والتطرف والارهاب والعدوان اسلوبا لفرض وجهة نظرها سواء أكانت دولا او جماعات منظمة ، هذا الى جانب ان بلده معرض للمخاطر شأنه في ذلك شأن الدول المحيطة او المحشورة بين تلك الصراعات.

قد يسعد البعض بتلك الخلافات المتصاعدة على الساحة السياسية الامريكية ، وقد يرى آخرون في الضغوط التي تتعرض لها الادارة الاميركية سببا في محاصرة سياسة الرئيس جورج بوش في العراق والمنطقة كلها ، ولكن الحقائق تدلنا على ان ذلك الوضع لن يفيدنا في شيء ، بل على العكس من ذلك قد تؤدي تلك الضغوط الى ما هو اسوأ من الحالة الراهنة اذا لم تكن البدائل حاضرة ، اي بمعنى اوضح اذا لم يكن العراقيون قادرين على تولي زمام الامور بأيديهم ، واذا لم تكف القوى الاقليمية عن التدخل في شؤون العراقيين ، وهذا ينطبق ايضا على الفلسطينيين واللبنانيين ، وبالتالي فان المصالح العربية تعتمد اساسا على الوفاق الوطني وعلى الدعم والمساندة القومية في افضل صورها ، اما ضعف او قوة الموقف الاميركي في المنطقة فتلك مسألة لها حسبة اخرى.

وفي الواقع يجب النظر الى لقاء جلالة الملك الكونغرس الاميركي من زاويتين ، الاولى حاجتنا نحن في العالم العربي لتوضيح الصورة وطرح الحلول التي تحقق الفائدة المشتركة لجميع الاطراف وخاصة لصالح شعوب المنطقة ، والثانية حاجة الكونغرس لفهم طبيعة المنطقة وما تتعرض له من تهديدات بعيدا عن التنافسية بين الحزبين اللذين سيذهبان خلال العام المقبل الى الانتخابات الرئاسية ، وهذا يعني ان ما نريده من الولايات المتحدة الاميركية هو العمل مع المجتمع الدولي لحل الازمات وفقا للشرعية الدولية وحق شعوب المنطقة في تقرير مصيرها بنفسها ، واولى الاولويات في هذا التحرك المطلوب هو حل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي طبقا لحل الدولتين الذي سبق وان تبناه الرئيس بوش شخصيا.

دون اي قدر من المبالغة فان خطاب جلالة الملك المنتظر امام الكونغرس الاميركي يشكل الفرصة الأثمن منذ عدة سنوات لكي يرى صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة صورة الموقف في الشرق الاوسط اكثر وضوحا من اي وقت مضى ، مثلما ستكون الفرصة الذهبية للعالم العربي كي يسمع صوته بوضوح ، وربما لأول مرة منذ عهد بعيد.