ضمن أدبيات الثورة الفرنسية تبقى عبارة «أيتها الحرية كم من الجرائم ترتكب باسمك» هي الأكثر شيوعاً.
فباسم الحرية يحدث أحياناً أن تنتهك حرمات أوطان وأمم، وباسم الحرية تستعمر بلدان، وبحجة حمايتها يسجن الكثير من البشر في كل مكان، ألم تقم الولايات المتحدة سجونها الشهيرة في غوانتانامو والعراق وبعض البلدان الأوروبية بحجة حماية الحرية في مواجهة من تسميهم الإرهابيين؟
ألم تحتل العراق تحت عنوان تحريره من نظام صدام الديكتاتوري؟ ألم يسجن صحافيون في كثير من دولنا العربية لأنهم مارسوا حقهم في التعبير عن الرأي كما تنص عليه القوانين والدساتير، ألم تتحلل أجيال من شباب العالم انسياقاً وراء الحرية، ألم؟ ألم؟.
ما الحرية؟ ما حدودها إن كان لها حدود؟ ومن يحدد هذه الحدود؟ وهل هناك فرق بين حرية الرأي وحرية التعبير عنه؟ بين حرية المعتقد وحرية ممارسته خاصة في بعض أنظمتنا العربية؟ هل الحرية قيمة مطلقة يحق للبعض ادعاء ملكيتها ومصادرتها بدواعي حماية المجتمع والأخلاق والمصالح، أم إن الحرية نسبية ومحددة بمحددات يضعها المجتمع وتتطلبها الأخلاق والمصالح؟
لماذا تعتدي بعض الأنظمة على حرية الصحافة والتعبير، وتصادر حق الصحافيين في الحصول على المعلومة والخبر بحجة حماية النظام؟ بينما تترك لبعض الصحافة والصحافيين ولبعض الفن والفنانين أن يعيثوا فساداً ضد أخلاق الناس وأذواقهم ومصالحهم؟ أما السؤال الأهم في كل هذا الموضوع فهو: لماذا يخاف الناس في بعض أوطاننا العربية من الحرية؟
انهم يخافون منها لأنهم غير مؤهلين لممارستها، وغير مدربين على التعاطي معها وفق شروطها الإنسانية والأخلاقية ووفق معاييرها القانونية الدقيقة، انهم يخافون لأنهم لم يحددوا حتى الآن مفهومها وآليات ممارستها وميكانيزمات هذه الممارسة، الناس تخلط عندنا بين الحرية والفوضى، بين الحرية كشرط إنساني لازم وملازم لحرية الإنسان في الحياة والعيش الكريم وبين الحرية كديكور تجميلي للأنظمة، وكتقليد أعمى للمجتمعات الغربية التي أسست لحرياتها بناءً على تاريخ طويل من الصراعات والحروب والمصادرات والمواجهات!
لقد عانى الغرب كثيراً من جراء المصادرة ومحاكم التفتيش وقتل العلماء وحرق الكتب ومصادرة الحرية لمصلحة السلطتين السياسية «الملوك» والدينية «الكنيسة»، واقتنع بعد طول تخلف وعذاب بأن الحل في الحرية.. لكنه اختارها حرية منفلتة من كل قيد والتزام، واليوم يريد البعض لنا أن نستعير هذه القناعة وأن نطبقها، وهو حين يطالبنا بذلك لا ينسى أبداً أن يكيل لنا هذه الحرية بمكيالين متناقضين، فإن طالبنا بحريتنا وتمسكنا بكرامتنا وديننا وهويتنا فنحن إرهابيون مصيرنا المقاطعة والسجون، وإن سكتنا وبقينا على ما نحن عليه فنحن متخلفون نحتاج لإنقاذ سريع عن طريق مشاريع الإصلاح والدمقرطة، والحل.. أن نتحرر ونصلح أمرنا ونتمقرط ولكن على طريقتهم!