تلقيت اتصالاً من سيدة مطلقة وأم لخمسة أبناء. تعمل في وظيفة جيدة وتعيش في منزل مستقل منحتها إياه الحكومة. أثارت هذه السيدة قضيتها التي لا يمكن اعتبارها حكراً عليها، بل إنها قضية أمهات كثيرات يعانين منها بعد طلاقهن وحضانتهن للأطفال.

هذه المشكلة هي مشكلة عجز النفقة عن تغطية احتياجات الأبناء. فهذه الأم تقول إنه بعد طلاقها حكمت لها المحكمة بألف وأربعمئة درهم نفقة لأطفالها الخمسة الذين شب بعضهم وأصبح طالباً في المرحلة الإعدادية. وتقول إن المشكلة لا تكمن فقط في قلة هذه النفقة وعدم قدرتها على النهوض بمتطلبات الأبناء، بل تكمن أيضاً في تهرب الآباء من دفعها، ومن المساعدة أحياناً لتحمل نفقات أخرى طارئة ربما تعجز الأم الحاضنة عن تغطيتها.

وتقول إن نفقة الأبناء لا يراعى فيها ارتفاع الأسعار المطرد، ولا يراعى فيها العمر الذي يكون عليه الأطفال، فلماذا لا ينصفنا المصلحون في المحاكم ويضعون في اعتبارهم كل ما سبق ؟ وتقول إذا كنت أماً مطلقة وفي وظيفة جيدة استطيع أن انفق من راتبي على أبنائي، فكيف هو الحال بالنسبة للمرأة المطلقة التي لا تعمل؟ هل تتخلى عن حضانة أبنائها بسبب المال؟ أو تعيش معهم في عسر نظراً لقلة النفقة ؟ وقالت الأم في نهاية مكالمتها أرجو أن توجهوا رسالتنا إلى المحاكم وإلى الآباء الذين يضنون بأموالهم ويستكثرونها على أبنائهم رغم أنهم قد ينفقون أضعاف أضعافها على حياتهم الخاصة تلك التي لا تقارن أهميتها بأهمية الإنفاق على أبنائهم.

ونحن بدورنا نشكر القارئة على تواصلها، ونقول لها إن الصورة السلبية لبعض الآباء الذين تتحدثين عنهم هي حقيقة لا ننكرها، وهي سبب معاناة الكثير من المطلقات وأطفالهن. هذه الصورة تقابلها صورة ايجابية أخرى لآباء تم الطلاق بينهم وبين زوجاتهم لكنهم يحسنون معاملة المطلقة وينفقون على أبنائهم بشكل ربما يفوق إنفاقهم عليهم فيما لو كانوا يقيمون معهم. والأكثر أنهم يتفقدون الأبناء ويتواصلون معهم بشكل يقلل من تداعيات الطلاق السلبية على الأبناء، وهو الدور المنتظر من كل زوجين يقرران الطلاق، فالأطفال حتى وان وقع الطلاق لا تنفصل مسؤولية أي منهم عن والديه، ويبقى الوالدان مسؤولين عنهم مسؤولية تامة، سواء كانت المسؤولية مادية أو تربوية.

هذا النموذج الايجابي من الآباء ربما هو الأقل، والذي نأمل أن يحتذى به، لكن عدم قيام بعض الآباء بمسؤولياتهم، وتقتيرهم على أبنائهم، والتقصير في رعايتهم، أمر لا ينبغي أن نصمت عنه، بل لابد من توجيه الآباء لتأدية ما عليهم من واجبات أوجبها الدين عليهم، فالأب في نهاية الأمر مسؤول عن الإنفاق على أبنائه وعن رعايتهم تلك التي لا يمكن إسنادها إلى طرف آخر حتى وان كانت الأم مقتدرة.

وتقع المسؤولية الأكبر في هذا التوجيه على المصلحين في المحاكم الذين نأمل عليهم أن يضعوا في الاعتبار أهمية تقدير النفقة باعتبار دخل الوالد وحاجة الأبناء حتى لا يتضرر أي طرف من الأطراف. كما نأمل على الآباء أن يحكّموا دينهم وضمائرهم في مسؤولياتهم إزاء فلذات أكبادهم الذين لا نعلم لمن يكلونهم؟ ولمن يدخرون المال الذي لا ينفقونه عليهم؟

maysaghadeer@yahoo.com