إذا كانت الصحافة اللبنانية تتميز بصحافييها الكبار فلا شك في أن جوزيف سماحة كان ركنا من أركانها وخسارته خسارة كبيرة للإعلام العربي. سنفتقد افتتاحيته في صحيفة «الأخبار» نحن الذين اعتدنا تصفح مواقع الصحف اللبنانية لنستشف حال الوطن الكبير علنا نرى بصيص أمل في نهاية هذا النفق المظلم.
فهو لم يكن كاتبا عاديا بل مفكرا ذا قدرة مميزة على التحليل وعلى كشف الغموض المتكاثف حين تشتد الصعوبات، أما كلماته فكانت أكثر شجاعة من المقاتلين حين تشتد الأزمات، لذا تركت أعمق الأثر في وجدان من قرأها وهناك من استمد القوة من صلابتها ونسقها الجميل المتكامل.
قد يختلف معه الكثيرون إلا أنهم لا ينكرون تميزه وجاذبية كتاباته ومطالعاته التي تنفذ إلى جوهر الأحداث بعيدا عن الرتابة والإنشاء والتي صقلتها خبرته الطويلة في العمل الصحافي الممتدة أكثر من ثلاثين عاما في لبنان كما في المهجر مثل باريس ولندن وزادت من وسع اطلاعه وثقافته.
فهو محاجج من الطراز الأول، يمسك بخيوط الأحداث ليفندها بندا بندا ثم ليعيد تركيبها بحيث تثير التساؤلات والشك حتى لدى خصومه. يتفاعل مع مسار الأحداث وهو جزء منها لأن بوصلة أفكاره شديدة الوضوح. قال عنه انسي الحاج: كانت مطالعاته اجتهادات أمام جمهور متناقض في مسائل تمشي معظم التيارات عكسها وتنتهي بإقناع «الأعداء» أو على الأقل برمي الشك في نفوسهم شرط أن تتوفر فيهم الشفافية.
خلال حرب يوليو الأخيرة التي شنها الإسرائيليون على لبنان، شكل بذاته تيارا سياسيا وخاض بشجاعة المحاربين المعركة بقلمه في الوقت الذي كان الشك يهز القناعات. وبرغم ظهوره النادر على شاشة التلفزة، قصد الخروج بعد انتهاء المعارك إلى أحياء الضاحية الجنوبية من بيروت ليقول «انتصرنا وانتصارنا شكل خرقا غير معهود في قوة الردع الإسرائيلية وعلينا العمل من الآن لتثبيت واقع الصمود في لبنان». كان مقتنعا بالقدرة على المقاومة رغم سيطرة ثقافة الهزيمة، لذا لم ترتجف يده وهو يكتب عن التحولات التي تعيشها المنطقة العربية.
ربما كان متفائلا أكثر مما يجب أو ربما لم تلوثه لعنة الواقعية كما فعلت بالكثير غيره، وبقي مؤمنا بتحسين العالم في الوقت الذي ذهب العديد إلى الانحناء، لذا لا تتسم كتاباته بالعدمية أو عدم المبالاة. كان يدعو للتغيير واتسمت مواقفه بالإنسانية وبصلابة صافية عميقة الجذور ومعادية للهيمنة ومؤيدة للوحدة العربية ورفع الظلم والقهر بقوة لا تهادن.
لذا كان محاميا قويا للقضايا العادلة من فلسطين الى نيو اورليانز. وكان يكتب بانفعالية كبيرة ضد المظالم قلما نراها في غيره، وحين تنتهي من قراءة مقالته يصيبك ذاك الإحساس بالظلم مع لمسة من الحزن وقوة المشاعر. وعندما يكون الظلم كبيرا تصبح كتاباته كنهر جارف يحفر في الجبال، لذا تبقى كتاباته في الذاكرة ولا تفارقك تعابيره التي تصلح عناوين لمرحلة تاريخية.
في افتتاحية العدد الأول من «الأخبار» تحدث عن زمن يتميز بوفرة «الحسابات الخاطئة» والتي توجه بها إلى من ظن أن هيمنة القطب الواحد قد أنهت حالة الصراع في العالم ضد الظلم والفقر. أكد على انتمائه إلى معسكر رافضي الهيمنة مؤكدا انه معسكر يمتد من قلب الولايات المتحدة إلى أقاصي العالم الغني والفقير، وكان متمسكا بالديمقراطية والتعددية في الوقت الذي نعيش مرحلة مفصلية من تعزيز النزاعات والانغلاق.
مواقفه صرخة ضد إفرازات العولمة التي زادت من فقر وتهميش الفئات الفقيرة والمعدمة، وهو ينتمي إلى تيار فكري عالمي منفتح على الحضارات والثقافات الأخرى في الوقت الذي يزداد انعزال الإنسان العربي.
«فكرة الحياد صعبة في الشرق الأوسط حيث يدور صراعان جباران في فلسطين وفي العراق» هذا ما قاله حين التقيناه على هامش جائزة دبي للصحافة عام 2005، وكان لبنان يشهد تداعيات اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في بداياتها الأولى.
كانت قراءته للأحداث أن «مقتل الحريري خلط الأوراق وهناك حالة اصطفاف سياسي جديدة»، مضيفا أن «الموقف الأميركي يعمل على تأزيم الأوضاع وهناك محاولة لنقل لبنان إلى الضفة الأخرى». بعد انتهاء الجلسة عدنا والتقينا به في لوبي الفندق ولم يكن قد فقد حماسه للحديث عن أوضاع لبنان والمنطقة.
كان دوره كبيرا في الإعلام اللبناني وأهدافه أكبر، لكن القدر لم يمهله ليحقق كل ما أراد. سنفتقد مواقفه الإنسانية وتحليلاته العميقة.