بمناسبة الانتخابات الرئاسية التي ستجري هذا العام انخرطت فرنسا في بعض المراجعات والمحاسبات والتقييمات. وقد طرحت جريدة «الفيغارو» بالأمس القريب على المثقفين هذا السؤال: هل فرنسا بلد حضاري؟ وقد رد عليه بعض أساتذة الجامعات والمفكرين نذكر من بينهم ميشيل مافيسولي أستاذ علم الاجتماع في السوربون، والمفكر الشهير جان دورميسون عضو الأكاديمية الفرنسية، وآخرون عديدون.

وكان جواب السيد دورميسون هو أنه يصعب تحديد الحضارة بشكل دقيق. وقد يكون بلد ما مثقفاً جداً دون أن يكون حضارياً. نضرب على ذلك مثلاً ألمانيا التي كانت مليئة بكل أنواع الثقافة والعلوم والتكنولوجيا طيلة القرن التاسع عشر دون أن تكون بلداً حضارياً بالفعل لسبب بسيط: هو ان ذلك لم يحمها من حصول الكارثة الهتلرية الكبرى في منتصف القرن العشرين. وأما روسيا فكانت آنذاك بلداً إقطاعياً خاضعاً لنظام القياصرة الاستبدادي المطلق أو للنظام الشيوعي الذي تلاه والذي لا يقل عنه استبداداً وبعداً عن الحضارة.

وحدها فرنسا كانت مركز الحضارة الليبرالية الديمقراطية بالإضافة إلى انجلترا. ولكن انجلترا كانت جزيرة معزولة ولا تقع وسط أوروبا. والواقع أن الأنوار انطلقت من باريس لكي تشع على العالم من حولها. ويمكن القول بأن بلد الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان كان يحمل مشعل الحضارة الكونية يوماً ما إلى العالم.

وأكبر دليل على ذلك هو أن اللغة الفرنسية كانت لغة النخب المثقفة في كل أنحاء أوروبا إبان القرن الثامن عشر. وحتى ملك بروسيا، فريدريك الكبير، كان يتكلمها في بلاطه ويفتخر بأنه يعرفها ويتقنها. ومعظم المناقشات الفلسفية كانت تجري في بلاطه بلغة فولتير الذي كان صديقه الشخصي المقرب.

وفي سان بطرسبورغ عاصمة روسيا الإمبراطورية كانت كاترين الثانية تتكلم الفرنسية أيضاً وتشجع على تعلمها ونشر ثقافتها وكتبها. ومعلوم أنها استدعت الفيلسوف الفرنسي ديدرو إلى بلاطها وكرمته أعظم تكريم وطلبت منه أن يضع لها خطة لتطوير روسيا لكي تصبح حضارية مثل فرنسا. ومعلوم أيضاً أنها اشترت مكتبته الشخصية وأجزلت له العطاء وأنقذته من الفقر إلى ولد ولده.

ثم يردف جان دورميسون قائلاً: وبالتالي فكانوا يتكلمون الفرنسية في برلين، وسان بطرسبورغ، ثم لاحقاً في بيروت، ودمشق، وداكار، والجزائر، والرباط، وسايغون، وهانوي، الخ...

ينبغي العلم بأن هذا الإشعاع الحضاري كان يعتمد على عوامل مادية، موضوعية، وليس فقط على عوامل روحية ثقافية. ففرنسا كانت أكبر بلد أوروبي من حيث عدد السكان في القرن الثامن عشر بل وحتى التاسع عشر. وكانت تمتلك أقوى جيش في العالم آنذاك.

وفجأة تتغير الأمور وتفقد فرنسا مكانتها الأولى. فلا أحد يستطيع القول الآن بأنها لا تزال أكبر بلد حضاري في العالم. بل إن رئيس الوزراء السابق ميشيل روكار اعترف بأن فرنسا لم تعد قوة عظمى وإنما قوة وسطى. وهذا صحيح. فلا عظيم الان إلا الأميركان.. ولن يكون أحد عظيماً لاحقاً بالقياس إلى الصينيين أو الهنود. ولذلك فإن الفرنسيين يسعون بكل قواهم إلى تشكيل الوحدة الأوروبية لكي يقووا بها. فإمكانياتهم الذاتية وحدها لم تعد تمكنهم من الصمود أمام التكتلات العالمية الكبرى.

ينبغي العلم بأن الفرنسيين يشكلون الآن واحد بالمئة من عدد سكان العالم. واحد بالمئة فقط..فماذا يمكن ان يفعل واحد بالمئة أمام مليار صيني أو هندي؟ والجيش الفرنسي لم يعد الأول ولا الثاني ولا الثالث في العالم. والأنكى من ذلك هو أن اللغة الفرنسية لم تعد اللغة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة! وهذا ما يحز في قلوب الفرنسيين أكثر من غيره. فالمكانة العالمية الأولى أصبحت للإنجليزية، ثم للصينية، ثم للإسبانية، ثم للعربية. بعدئذ فقط تجيء الفرنسية.

أعترف بأن هذا التصنيف الذي قدمه جان دورميسون فاجأني وأثلج صدري لأنه وضع العربية في المرتبة الرابعة على المستوى العالمي. وهذا أمر ليس بالقليل وما كنت أعرفه سابقاً. وياليت العرب يعرفون مدى أهمية هذه الورقة الثمينة التي يمتلكونها في أيديهم: أقصد لغتهم العربية العريقة التي لا تضاهى.

ليتهم يعرفون انها كنزهم الوحيد فيطورونها في نحوها وصرفها وتراكيبها لكي تصبح أكثر قدرة على منافسة اللغات العالمية كما دعاهم إلى ذلك مرة طه حسين. ليتهم يؤسسون مراكز ترجمة وبحوث كبرى لنقل العلم الحديث إليها بأقصى سرعة ممكنة. وهذه هي الطريقة الوحيدة لتوسيع مفرداتها وتراكيبها، لضخ الدماء الجديدة في عروقها وشرايينها.

فالفرنسيون يتابعون التطور عن طريق الترجمة ويصرفون الملايين على نشر لغتهم في العالم من خلال منظمة الفرانكوفونية. وأما نحن فلا نفعل شيئاً يذكر لخدمة هذه اللغة العظيمة التي بقيت آخر ورقة في أيدينا. فهل سنفرط بها كما فرطنا بسواها؟ لقد أصبحنا نغزى لغوياً في عقر دارنا من قبل الإنجليزية والفرنسية لأن العلوم الدقيقة غير متوافرة في لغتنا بالشكل الكافي، ولا كذلك العلوم الإنسانية والفلسفية. ومن هنا خوفي على العربية.

أقول ذلك على الرغم من الجهود الخيرة التي تبذلها بعض الدول العربية أو المؤسسات الخاصة ولكنها لا تزال غير كافية حتى الآن.يعرف ذلك كل من اطلع على العلم في اللغات الاوروبية وقارن بينه وبين الزهيد المتوافر في لغتنا.فهناك مؤلفات ضخمة لم تترجم بعد بل ولم يسمع بها حتى المثقفين عندنا.

نعم، تعجبني غيرة دورميسون على لغته وثقافته وحضارته. فالمثقف هو المسؤول أولاً وأخيراً عن الإشعاع الثقافي والحضاري لبلاده. ولكن رجل السياسة مسؤول أيضاً. فلولا المأمون لما كانت هناك لغة فلسفية في العالم العربي. ولولا محمد علي لما كانت هناك نهضة فكرية في القرن التاسع عشر.

ولولا سلالة الميجي المستنيرة في اليابان لما تمت ترجمة العلم الأوروبي وكذلك الفلسفة الأوروبية إلى اللغة اليابانية، وقس على ذلك.. إني أفهم جيداً قلق جان دورميسون على تراجع اللغة الفرنسية بل وحتى الكتاب الفرنسي.

وإن كنت أعتقد أنه يبالغ قليلاً في تسويد الصورة. فهو يدق ناقوس الخطر ويدعو الفرنسيين إلى مواجهة الحقيقة المرة وجهاً لوجه قائلاً: أيها السادة، لم تعد كتب مارسيل بروست، وبول فاليري، وأندريه جيد، وبول كلوديل، وألبير كامو، وجان بول سارتر، الخ... هي التي تترجم في نيودلهي وطوكيو وبكين! وإنما أصبحت الكتب الأميركية بل وحتى روايات أميركا اللاتينية. ولم تعد الأغنية أو السينما الفرنسية هي التي تهيمن على العالم وإنما الأغنية الأميركية وسينما هوليود..

ولكن على الرغم من كل هذه الصورة المتشائمة التي يقدمها عضو الأكاديمية الفرنسية عن فرنسا إلا أن الهالة الحضارية لا تزال تحيط بهذا البلد وعاصمته مدينة النور: باريس. وأعتقد أنه يسوّد الصورة قليلاً لكي يستنهض شعبه أكثر في عام الانتخابات هذا.

فمن الواضح أن فرنسا لم تعد الإمبراطورية الأولى ولا الثانية في العالم. هذا عهد مضى وانقضى. ولكن ذلك لا يعني أن فرنسا فقدت كل أوراقها. ففرنسا لا تزال بلد الوهج الحضاري الأكبر على الرغم من كل شيء. ولا تزال صناعتها متقدمة وتصدر إلى العالم القطار السريع جدا وطائرات النقل الحديثة المعروفة باسم: الايرباص من جملة أشياء اخرى عديدة.

وربما كانت باريس لا تزال هي المركز الثقافي الأول للعالم. وأكبر دليل على ذلك هو أن معظم الأجانب يحبون أن يزوروها ولو لمرة واحدة في حياتهم. أكبر دليل عليه هو أن من عاش ومات دون أن يرى باريس والشاطئ اللازوردي يكون قد خسر شيئاً ما.. أكبر دليل عليه هو أن فرنسا هي الآن البلد السياحي الأول في العالم. هل تعلمون بأنه يزورها سنوياً ثمانية وسبعون مليون سائح؟ أي أكثر من عدد سكانها بكثير.لا يوجد بلد في العالم يزوره مثل هذا العدد الضخم.

ولكني أود أن أقول لجان دورميسون في نهاية هذه المقالة ما يلي: نعم يا سيدي إن فرنسا هي بلد حضاري كبير، بل وربما كانت أجمل بلد حضاري حاليا. ربما كانت قد لخصت في شخصها كل الحضارات السابقة. يكفي أن يعيش المرء فيها لفترة من الزمن لكي يعرف ذلك. بل يكفي أن يدخلها لكي يشم رائحة الحرية، والتعددية، والتسامح، والثقافة، والسعادة، والاناقة، والجمال.. ولكن حضارتها لن تكتمل حقاً من الناحية الإنسانية إذا لم تخفف من نسبة التفاوت الاجتماعي الكبير بين الأغنياء والفقراء.

ففي فرنسا غنى فاحش وفقر مدقع في ان معا. ولن تكتمل حضارتها إلا إذا فعلت شيئاً ما لهؤلاء السكان المغتربين من عرب وأفارقة سود ومسلمين الذين يقفون على هوامش مدنها الكبرى في ضواحي فقيرة، مهجورة، محتقرة. وهي الضواحي التي انفجرت بالغضب العارم قبل سنة والتي قد تنفجر مرة أخرى اذا لم تتغير السياسة الفرنسية تجاهها.

ولست متأكداً من أن مرشح اليمين الذي يدعمه جان دورميسون، اي نقولا ساركوزي، هو الذي سيحقق ذلك. لست متأكدا من ان مرشح العولمة الرأسمالية المتغطرسة والاطلسية هو الذي سينقذ الوضع. وحدها قوى اليسار، وعلى رأسها الغادة الحسناء سيغولين رويال، يمكن أن تفعل شيئاً ما في هذا الاتجاه.

كاتب سوري ــ باريس