«بدأت فرنسا تُصاب بالتعب، وقد فعلت كل ما تستطيعه من أجل مساعدتنا، وعلينا الآن أن نبحث عن شركاء جدد» هذا ما قاله عمر بانغو، الرئيس الغابوني وعميد رؤساء القارة السمراء في كلمته في القمة الفرنسية الإفريقية الرابعة والعشرين التي انعقدت مؤخرا في كان.

هذه الجملة تلخص إفلاس الدبلوماسية الفرنسية في إفريقيا وظهور شركاء جدد في القارة السمراء بإمكانهم أن يستفيدوا ويفيدوا الشعوب الإفريقية التي عانت الفقر والحرمان سواء في عهد الاستعمار أو في عهد الحرية والاستقلال. فاليوم وبعد مرور أكثر من نصف قرن على رياح التحرر والاستقلال ما زالت فرنسا تنظر إلى مستعمراتها السابقة بنفس عقلية الأبوية والسيطرة والتحكم والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية. فالمنطق الاستعماري هو السائد، وما يهم فرنسا هو من يخدم مصالحها ويحقق أهدافها حتى لو كان ذلك على حساب التنمية المستدامة ومصالح الفئات العريضة في المجتمع.

تحاول فرنسا ترميم علاقاتها المتصدعة مع مستعمراتها في القارة السمراء بعد أن بدأ التنافس يشتد بين قوى عديدة تبحث عن فرص الاستثمار في إفريقيا وعلى رأسها الصين والولايات المتحدة الأميركية والهند واليابان والبرازيل. القمة الفرنسية الإفريقية الرابعة والعشرين التي انعقدت بمدينة كان أيام 15-16 فبراير الماضي جمعت 30 رئيس دولة وممثلي 53 دولة إفريقية. شيراك يحاول من خلال هذه القمة ـ وهي بالتأكيد آخر قمة يترأسها- استدراك الوضع وتأكيد الدعم الفرنسي للقارة السمراء فيما يتعلق بالمساعدات التنموية ومسح الديون التي تفوق 350 مليار دولار وكذلك تقديم يد العون في حل النزاعات الداخلية ومشكلات الحدود...الخ.

من أهم الانتقادات التي وُجهت وتوجه للمستعمر الفرنسي السابق، أن فرنسا لم تساعد مستعمراتها على الخروج من الفقر والتخلص من الجهل والأمراض والأوبئة. كما أنها لم تساعد في إرساء قواعد الديمقراطية في الدول الإفريقية بل على العكس راحت تقدم المساعدات والدعم والمساندة لرؤساء وزعماء اشتهروا بدكتاتوريتهم وتسلطهم ونهب ثروات بلدانهم.

علاقات فرنسا بمستعمراتها ما بعد الاستقلال أدت إلى انتشار الفساد. فمن خلال تعاملها مع مستعمراتها السابقة وقعت فرنسا في مطبات كبيرة شكلت نقاطا سوداء في سجل علاقاتها مع دول القارة السمراء كتورطها في ساحل العاج والدعم الذي قدمته لحكومة رواندا السابقة التي كانت تسيطر عليها فصيلة الهوتو- التي صرحت علنا أنها تنوي تصفية التوتسي.

ورغم ذلك استمرت فرنسا في مساندة الهوتو وتزويدهم بالأسلحة ومختلف المساعدات. وكانت نتيجة حرب الإبادة التي شنها الهوتو قتل 800 ألف من التوتسي. حرب رواندا بقيت وصمة عار على جبهة الدبلوماسية الفرنسية. في ساحل العاج دخلت القوات العسكرية الفرنسية في صراع مع القوات الوطنية وهذا كذلك يحسب ضد تعامل فرنسا مع الصراعات داخل مستعمراتها السابقة.

ما يؤخذ على فرنسا المستعمرة كذلك هو عدم اعترافها بجرائمها في مستعمراتها السابقة. بل أسوأ من ذلك صدرت قانونا قبل سنتين- وعدلت فيه فيما بعد- يمجد الاستعمار ويثني على إيجابياته والخدمات التي قدمها للدول المستعمرة (بفتح الميم) والدور الحضاري الذي لعبه.

فرنسا مقبلة كذلك في الشهور القادمة على سياسة الهجرة الانتقائية لنيكولا ساركوزي المرشح الأول للفوز بالرئاسة. سياسة الهجرة الانتقائية هي بكل بساطة صد الأبواب في وجه الشباب الأفارقة الذين يريدون العمل والاستقرار في فرنسا. وعلى عكس ما قامت به اسبانيا وإيطاليا في الشهور الأخيرة في إدماج عشرات الآلاف من المهاجرين تعمل فرنسا جاهدة على التخلص منهم.

شعارات الحرية والمساواة والعدالة التي تتغنى بها فرنسا تواجه هذه الأيام تحديات كبيرة جدا في أرض الواقع حيث تعيش هذه الشعارات تناقضات صارخة وتعاني من وهم كبير وواقع ما زال لم يعترف بأن فرنسا هي مجتمع متعدد الأعراق والديانات والأقليات شاء من شاء وكره من كره.

فالتاريخ يقول إن رجالا من دول مختلفة وخاصة مستعمرات فرنسا في شمال إفريقيا والقارة السمراء وغيرها شاركوا في الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى وساهموا في تحرير المجتمع الفرنسي من النازية والفاشية أثناء الحرب العالمية الثانية. لكن فرنسا اليوم لا تعترف بهذا الجميل حيث إنها تعامل أبناء وأحفاد الرجال الذين حرروا وبنوا وشيدوا على أنهم أشخاص من الدرجة الثانية والثالثة وأنهم لا يمكنهم بأية حال من الأحوال أن يكونوا فرنسيين.

وزير الداخلية الفرنسي الحالي «نيكولا ساركوزي» والمرشح للرئاسة في 2007 يتكلم عن قانون الهجرة «المختارة» قانون يتناقض جملة وتفصيلا مع حقوق الإنسان ومع المبادئ التي قامت عليها الثورة الفرنسية. هذا ليس غريبا على فرنسا حيث إنها كافأت الجزائريين الذين حاربوا في صفوفها إبان الحرب العالمية الثانية بقتل 45 ألفا منهم في 8 مايو 1945 عندما خرجوا في مدن قالمة وخراطة وسطيف يتظاهرون باستقلال الجزائر.

فالمتتبع اليوم لما يجري في دولة بحجم فرنسا وتاريخها ووزنها على الساحة الدولية- الدولة التي عارضت الحرب على العراق والدولة التي تتغنى بالديمقراطية وبحقوق الإنسان وبالحرية- يلاحظ العنصرية والإقصاء والتهميش والفشل الذريع في عملية إدماج الآخر. فقانون «الهجرة المختارة» على سبيل المثال يعبر عن النية الحقيقية لدولة لا تريد إدماج الآخر والاعتراف بالجميل الذي قدمه أبناء مستعمراتها في شمال إفريقيا وفي إفريقيا السمراء في عملية تحريرها من النازية والفاشية وفي عملية البناء والتشييد. وهم المساواة وواقع التمييز يعكس أطروحة منظر الإمبريالية الفرنسي «جول فيري» الذي قسم الشعوب والأمم إلى شعوب متحضرة ومتفوقة خُلقت لتقود شعوبا وأمما أخرى متخلفة وجاهلة وغير قادرة على إدارة وحكم نفسها بنفسها.

الأمراض والأوبئة، الفقر، الأمية والحروب، الرشوة والأنظمة الدكتاتورية التي تتوالى وتتنافس على السلطة من أجل المصالح الخاصة والتحالف مع القوى الخارجية تلك هي الخصائص التي تتميز بها القارة السمراء في القرن الحادي والعشرين. في الخمسينات وعندما بدأت رياح الاستقلال تهب على القارة السمراء استبشر الكثيرون خيرا بمستقبل زاهر وناجح للأفارقة خاصة وأن القارة تتمتع بخيرات وثروات هائلة وأن خروج الاستعمار منها سيفسح المجال لمشاريع التنمية والتطور والازدهار.

أربع عقود مرت على استقلال معظم دول القارة ومازالت الأمور على حالها بل ساءت حيث الحروب والصراعات والنزاعات الداخلية، الأمراض والأوبئة والجوع والفقر والأمية والقائمة طويلة. متى تنتهي الحروب في إفريقيا ومتى تنتهي الأنظمة الفاسدة وأنظمة الدكتاتورية والتسلط والنهب والاستيلاء على أموال الشعب، متى تسخر ثروات إفريقيا لخدمة شعوبها وأبنائها؟

و إذا قرأنا بعض الإحصائيات الخاصة بإفريقيا نجد أن ما يزيد على 20 دولة إفريقية تخوض حروبا ضد بعضها البعض سواء كانت أهلية أو نزاعات داخلية أو بين أكثر من دولة وهنا نلاحظ تورط دول أخرى مجاورة أو صديقة أو عدوة في دعم تلك الدولة أو الوقوف ضدها. هذه الحروب أدت في العقد الأخير إلى مقتل 3 ملايين نسمة وتشريد 28 مليون شخص اضطروا إلى الهجرة والنزوح واللجوء إلى دول ومناطق أخرى.

أما بالنسبة للأمراض فالإيدز وحده يقضي على مليون إفريقي سنويا وهناك حاليا 32 مليون إفريقي مصابون بالفيروس. أين فرنسا من كل هذا؟ وماذا فعلت للدول والشعوب التي تسببت في فترة من فترات تاريخها في تجويعها وتجهيلها وزرع الفقر والتخلف فيها؟ ماذا قدمت القمم المختلفة والمتكررة كل سنة للشعوب المغلوب على أمرها في القارة العجوز؟

كلية الاتصال ــ جامعة الشارقة