محاولة تهويد القدس، عملية جارية، منذ احتلالها عام 1967. اعتمدت فيها إسرائيل سياسة الضمّ والقضم المنظم، التدريجي لكن الحثيث. أثارت الكثير من الاعتراضات، العربية والدولية، والتنديدات وحتى المواجهات. لكنها واصلت سرقتها للمدينة المقدسة؛ بزعم أنها «عاصمتها الأبدية». هيئات ومنظمات دولية رفعت أصواتها ضد هذا الاعتداء الفاقع وأعلنت أنها لن تعترف بأي تغيير في واقع المدينة وتراثها.

فذلك انتهاك لاتفاقية جنيف والقانون الدولي؛ فضلاً عن أنه يمس خصوصية ورمزية هذه المدينة الفريدة. إسرائيل، كالعادة، ضربت عرض الحائط بكافة الاعتبارات وبمواقف الاستنكار والشجب؛ وتابعت مخططها التهويدي. في الفترة الأخيرة بلغ هذا الأخير الخطوط الحمراء، الحفريات حول وقرب وتحت الحرم القدسي، وصل زحفها إلى تخوم، تضعه في دائرة التهديد.

إسرائيل تزعم أن الحفريات لا تستهدف المسجد، بل البحث عن الآثار. مع أن هذه الأعمال انطلقت، منذ بدايتها قبل سنوات، بهدف زعزعة بناء المسجد الأقصى وإطاحته تحت زعم أنه يقوم على أنقاض الهيكل اليهودي؛ المطلوب إعادة بنائه.

وبالرغم من الهبّة المضادة والمواجهات مع الشارع الفلسطيني المعترض، تابعت الجهات الإسرائيلية حفرياتها. زعمت أنها أوقفت، فقط بناء جسر عند بوابة المغاربة المحاذية لحائط الحرم.

واليوم تأتي إسرائيل بمشروع استيطاني، إذا لقي طريقه إلى التنفيذ؛ يكون قد أحكم الطوق حول القدس؛ لخنق الشق العربي منها ـ ومن جوارها ـ ومباشرة الفصل الأخير من تهويدها. المشروع، كشفت عنه صحيفة هآرتس ويقضي بإقامة 11 ألف وحدة سكنية في المنطقة التي صادرتها إسرائيل وضمتها إلى القدس «الموحدة» والتي تفصل بين شمال المدينة ورام الله، وحسب تعريف الصحيفة، التي أكدت وجوده، يشكل المشروع واحداً من أكبر المخططات الاستيطانية، في القدس الشرقية.

واضح من التوقيت والحجم أن هذا التمدد يستهدف، فضلاً عن استكمال تهويد القدس؛ التخريب على اتفاق مكة؛ والتخريب على أي احتمال لاستئناف المفاوضات السلمية؛ ناهيك بإمكانية إقامة دولة فلسطينية؛ كثر الكلام والتلميح عنها في الآونة الأخيرة.

تخريب وتهويد وفي هذا الظرف بالذات، مزيج يستدعي خلطة من الردود الفعالة والسريعة؛ وعلى أكثر من صعيد بالنسبة إلى الجانب الفلسطيني أقل ما يستدعيه ذلك، هو تسريع خطوات المصالحة الوطنية وتشكيل حكومتها. تباطأت العملية ولو أنها تسير في الاتجاه الصحيح. إسرائيل تلعب على الوقت لتفخيخ محاولات رأب الصدع الوطني الفلسطيني، ثم إن عودة اللحمة إلى الساحة الفلسطينية من شأنها تعزيز التحرك باتجاه المجتمع الدولي من أجل تحفيزه للتصدي لما تقوم به تل أبيب فضلاً عن ما تستهدفه من تعطيل ومناورات.

كذلك فإن طي صفحة الخلافات والصراعات الفلسطينية من شأنه تزخيم وتعزيز التحرك العربي، المطلوب في هذه اللحظة، من أجل توفير الدعم والمقبولية للحكومة الفلسطينية الجديدة. حان الوقت للالتفات إلى إسرائيل ومشاريعها في التهويد والتمدد والتي بدأت تلامس العصب الحيّ.