هل من تغيرات جذرية على السياسة الأميريكية، تحت إيقاع الضغط الداخلي باعتبار احتلال العراق كان أكثر من مغامرة حرب فيتنام، وأن ضرب إيران سيكون ضرباً من الجنون، لنرى أن التحول الجديد في لقاء يجمع إيران وسورية مع أميركا، صار أمراً لازماً من أجل الخلاص من المأزق العراقي والايراني معاً؟
ثم ألا تكون المقدمات بدأت بعد تقرير (بيكر) وأن المباحثات السرية هي التي قادت إلى هذه النتيجة، وعبر هذه الاجتماعات، ألا توجد صفقات سرية تعطي لسورية الجولان مقابل تخليها عن حزب الله، وقيادة حماس، وعدم التدخل في شؤون العراق؟ كذلك إيران تحصل على مقابل أكبر بالتخلي عن تهديدها، مقابل رفع يدها عن العراق، والتصالح مع إسرائيل، وفتح آفاق لعلاقات توفر تعاملاً أكثر وداً مع أمريكا وترك مشروعها النووي قابلاً للاستمرار؟
كل الاحتمالات واردة، لأن ما تغير في التوجه الأميركي لم يكن مفاجأة، فربما درست كل الخطى التي انتهجتها في سياساتها الخاطئة، حيث وصلت كوريا الشمالية إلى تفجير قنبلتها النووية، وصارت أفغانستان بؤرة صراع طويل، وبدأت رحلة القادمين من آسيا تبلور صورة قوتي الصين والهند، وإعلان روسيا أن سياستها لا تتطابق أهدافها، مع أميركا، وفي الجوار جاءت تحولات بعض النظم في أميركا الجنوبية إلى اليسار الكلاسيكي تحدياً أكثر خطورة، حيث اصبحت هناك زعامات كثيرة لا ترى مستقبلاً لعلاقات حميمة مع الدولة الكبرى، وأنه لولا أزمة العراق لكانت الدول المستهدفة عندما وُضعت على خط النار، وحتى أوروبا الحليف التقليدي، بدأت تتباعد، وتصنف نفسها بالمجموعة المستقلة عن الأهداف والمغامرات والتبعية لأميركا.
هذه الأنفاق المتعرجة، خلقت ضرورات حتمية استدعت أن يكون حلفاء الشر في المنطقة، دولاً مقبولة، لأن الأصل في إباحة المحرم السياسي، تفرضه ظروف غير متوقعة، وبالتالي فإن اللقاء الأمريكي مع سورية وإيران، ربما يكون سفينة الانقاذ للخروج من العراق ببعض النجاح، وبعض المكاسب المعنوية.
وحتى لا نكون متفائلين، أو نجزم بفشل هذه الخطوات، لابد من معرفة كيف تتحرك أميركا، وما هي الدواعي التي تجعلها ترفض بالأمس ما توافق عليه اليوم وبقناعات جاءت من خلال دراسات أميركية، ونصائح من بعض أصدقائها للاعتراف بالواقع والتعامل معه بجدية؟
سورية وإيران حاولتا الاقتراب من أميركا بمفهوم (براغماتي) يراعي مصالح كل الأطراف، غير أن وقوع الرئيس بوش بين اتجاهات المحافظين الجدد الذين اتخذوا خيار التشدد والحروب، مع تحفظات بعض فريقه الذي تقوده كوندوليزا رايس، والتي تسعى إلى معالجات أكثر واقعية، ربما وجد الرئيس بوش أن الخط الذي تقوده وزيرة الخارجية أكثر قابلية للحوار، والأقرب إلى فكر دول المنطقة وأوروبا معاً، وبالتالي جاء ليجرب، ولو على سبيل الاستماع، ما هي الأفكار والتطلعات التي تراها سورية وإيران، وهل يمكن تسوية هذه المسائل بعقلانية، ودون مضاعفة أخطار جديدة؟.