نعود إلى قرائنا الأعزاء بعد انقطاع عدة أسابيع بين المرض والنقاهة والإجازة وإعادة تجديد الذات، نعود إليهم وكلنا شوق إلى الحديث إليهم، فهم هدفنا وهم عشيرتنا التي نحبها ولا نستطيع ان نشعر بمعنى للحياة دون التواصل معهم ومشاركتهم هموم الوطن والفكر.

ونواصل اليوم معهم الحديث عن «المدينة الفاضلة» التي تحدثنا عنها في ثلاث مقالات سابقة، تم في أول واحدة منها إلقاء الضوء على أهم المحاولات الفكرية التاريخية السابقة التي تناولت المدينة الفاضلة بلغة قريبة إلى أفهام القراء العاديين من غير المتخصصين، وتناولت المقالة الثانية دور رجل الأعمال والمثقف والوزير في صنع حياة أفضل باعتبار هؤلاء هم ثالوث المدينة الفاضلة.

في حين وقفت المقالة الثالثة عند المواطن بوصفه حجر الزاوية في المدينة الفاضلة، ومفهوم المواطن كامل الأهلية والفرق بين المواطن والعبد، والتحدي الحقيقي أمام المدينة الفاضلة، وضرورة التساوي في الحقوق والواجبات بين المواطنين في المدينة الفاضلة.

اليوم نعود للحديث عبر عدة مقالات نواصل فيها توضيح مبادئ ومعالم المدينة الفاضلة التي يمكن ان نحققها على أرض الواقع في كل النواحي الفردية والخدمية والتعليمية والقانونية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.. الخ.

وربما يكون من الأفضل ان نعيد إدخال القارئ معنا في الموضوع بعد هذا الانقطاع من خلال طرح مبادئ ومعالم المدينة الفاضلة.

وفكرة «المدينة الفاضلة» أو الـ «يوتوبيا» قد راودت الكثيرين من أولئك العباقرة ممن يتمتعون بحس أخلاقي رفيع المستوى أمثال الروماني شيشرون، والقديس أوغسطين في كتابه «مدينة الله»، ودانتي في رسالته الملكية، وتوماس مور في الـ «يوتوبيا»، وفرنسيس بيكون في «أطلانطس الجديدة» وهنك إشارات كثيرة إلى بعض هؤلاء الذين وصلت أيديهم «جمهورية أفلاطون» بعد أن قام الفارابي بتحقيقها بتصوف.

إن «المدينة الفاضلة» هي مجتمع من المواطنين الفضلاء في الفكر والعمل والعلاقات الاجتماعية. أقول مجتمع من المواطنين وليس الأفراد لأن هناك فرقاً كبيراً بين المواطن في المدينة الفاضلة والفرد في المدن غير الفاضلة، إنه فرق يمثل نقطة الفصل بين التقدم والتخلف، بين الديمقراطية والاستبداد، بين مجتمع الإنسانية الحقيقي ومجتمع الحيوانية.

ولابد من الإشارة إلى أن الفرق بين المدينة الفاضلة والمدن غير الفاضلة على أساس مفهوم المواطنة، ليس فرقاً صارماً، حيث توجد درجات ومستويات متفاوتة بين المدن، فكل مدينة من المدن الواقعية في أرجاء العالم تقترب وتبتعد بدرجات متفاوتة على المسافة الكائنة بين المدينة الفاضلة والمدينة غير الفاضلة.

لكن ما يهمنا الآن هو بيان المبادئ التي تقوم عليها المدينة الفاضلة، وهي مبادئ عديدة، لعل أهمها أنه لا حقوق دون واجبات، فزيادة وتأكيد الحقوق الفردية يجب أن يكون مصحوباً بزيادة الالتزامات والواجبات الفردية، فالحق في عيشة كريمة مصحوبة بضرورة إتقان العمل، وتعويضات البطالة «حق» للفرد وواجب على الحكومة، لكن ليس بشكل مطلق بل مصحوب بالالتزام بعدم التكاسل والحرص بالبحث المستمر عن عمل «التزام ومسؤولية»، من خلال قواعد وآليات يتم تحديدها طبقاً لحالة المجتمع.

ومن أهم الأمور التي تحكم المدينة الفاضلة الشفافية والرقابة المتبادلة: وهذا ضروري من أجل مقاومة الفساد الإداري. فلا مجال لسياسة التعتيم، ولا أسوار عازلة ضد الرقابة، ومن ثم سيادة مبدأ الشفافية وترسيخ حق الرقابة المتبادلة في نطاق ما هو عام دون جور على الحياة الشخصية والحريات الفردية ومبدأ الخصوصية.

ولا معنى للمدينة الفاضلة من دون إقرار المساواة المستنيرة، وهي المساواة غير الآلية التي تؤمن بالمساواة في القيمة الإنسانية والواجبات والحقوق القانونية، لكنها تتيح مجالاً للتمايز الفردي عن طريق بذل الجهد والتنافس المنتج. وفي نطاق المساواة بين الرجل والمرأة، فهي أيضاً المساواة المستنيرة غير الآلية، وليست المساواة الآلية التي تهدد الفروق بين الجنسين.

ويجب ألا يكون الانتخاب أو تولي الوظائف القيادية ذا علاقة ـ من قريب أو بعيد ـ بمسألة الأنوثة والذكورة، وإنما يخضع لمعيار واحد لا ثاني له وهو الكفاءة. ومن حيث المبدأ، فإن حق المرأة السياسي لا يقل عن حق الرجل، وهذا ما تجلى في انتخابات المجلس الوطني الأخيرة، كما تجلى في طريقة اختيار حكام الإمارات للمعينين في المجلس الوطني، حيث أعطى للمرأة الإماراتية فرصتها في التمثيل النيابي.

كما تقوم المدينة الفاضلة على الحرية والاستقلال الفردي، ولا مكان فيها للاستبداد، فالحرية مقدسة، لكنها ليست بلا حدود حتى لا تتعارض مع حرية الآخرين، وهي بالقدر الذي لا يتعارض مع الدستور والقانون ولا يجور على مساحة الحرية والحقوق التي يتمتع بها الآخر. فلا حرية مطلقة ولا قيود مفرطة، فالحرية أساس التكليف، والاستقلال الفردي هو أساس المسؤولية الفردية.

ومن أهم مبادئ المدينة الفاضلة التعاون، وهنا نجد من المناسب العودة إلى الفارابي، نظراً لأنه اعتبر التعاون فصلاً بين المدينة الفاضلة والمدن غير الفاضلة، فقد قسم الفارابي الجماعات إلى قسمين: مجتمعات كاملة: وهي ما يتحقق فيها التعاون الاجتماعي بوجه كامل، لتحقيق سعادة الأفراد. ومجتمعات ناقصة: وهي ما لا يتحقق فيها هذا التعاون الكامل، ولا تستطيع أن تكفي نفسها بنفسها، ويرى أن أفراد المدينة لا تتحقق لهم السعادة، ولا تصبح مدينتهم فاضلة، إلا إذا ساروا على غرار رئيسهم، وأصبحوا صورة منه، وأن الرئيس لا يعدو أن يكون مؤديا رسالته إلا إذا وصل بهم إلى هذا المستوى الرفيع من التعاون والتكامل.

وقبل أن نتجاوز الحديث عن التعاون في مدينة الفارابي الفاضلة، هناك حقيقة لابد من الإشارة إليها، وهي أن الفارابي عاش زاهداً ومات زاهداً، فلم يكن يعبأ بشيء من متاع الدنيا سوى ما يضمن له قوت يومه. والحقيقة الأخرى هي أن الفارابي عاش في عصور عشش فيها القلق والخوف والسخط والفوضى نتيجة عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية بسبب فساد الحكم، والتسلط الشعوبي.

ولأنه كان يتمتع بعبقرية فذة، وذكاء خارق، نجده قد لجأ إلى التفكير بالمدينة الفاضلة ليتقدم بها كوثيقة إثبات تدين ما كان سائداً من فساد وضعف في تلك المجتمعات التي تخلفت عن ركب التقدم. وإذا كان الفارابي يدعو إلى سبر أغوار الفكر، فإنه بذلك يقرن القول بالعمل ويصب جام غضبه على الجمود والتعصب، ويدعو إلى الانطلاق والتحرر كي تتحقق أسمى مراتب الرفاهية للإنسان في المدينة الفاضلة التي تقوم على مبادئ الحق والخير والجمال.

جامعة الإمارات

Razak-doc@hotmil.com