خلال أعوام 2030! 2050! ستكون أعمار أطفال اليوم ما بين الثلاثين والأربعين أي سيكون العالم عالمهم وهم رجال ونساء يصنعون مصائرهم في عالم مختلف تماماً عن عالمنا وفي منظومات قيم ومفاهيم ورؤى تختلف عما تعودنا عليه حتى لو غرسنا في قلوبهم وعقولهم من الصغر أخلاقنا ومورثاتنا وربيناهم أو نعتقد أننا ربيناهم على تقاليدنا وعاداتنا.
لكن هل يمكن التكهن بذلك المجهول القادم لنتصور على الأقل أبرز معالم ذلك المستقبل ونعرف حدود التحولات العملاقة التي ستغير الكثير الكثير مما نعرف ونعايش؟ هل باستطاعتنا أن نفتح نافذة سحرية على الذي سيأتي ونطل منها على الزمن القادم؟ بلى إن الأمر ممكن بل وقام به رجل مثقف له وزنه في الفكر الأوروبي .
وهو الأستاذ جاك أتالي الذي شغل منصب المستشار الأول للرئيس الفرنسي السابق فرنسوا ميتران، وتربطه به عشرة الفكر والتأمل الفلسفي، وهو صاحب عشرة كتب مثيرة حول الحضارة والإنسان المعاصر والعلاقات الدولية والسياسات الاقتصادية، وعائلته من يهود الجزائر الذين التحقوا بفرنسا في الستينات. ويتميز الرجل باعتدال في مواقفه لم ينجرف للتطرف الصهيوني بل ظل محافظاً على خط إنساني مترفع عن الايديولوجيات.
وصدر هذه الأيام كتابه الأخير بعنوان (حكاية قصيرة عن المستقبل) عن دار النشر فايار الباريسية، وهو كتاب ممتع ومفيد ودسم في نفس الوقت، يبدأ باستعراض موجز لتاريخ البشرية منذ إنسان ما قبل التاريخ إلى الإنسان المعاصر ثم إلى إنسان الجيل القادم، بعد ثلاثين وأربعين عاماً.
رحلة منعشة متعمقة في الحقائق الجيواستراتيجية والعلمية والتكنولوجية يضع بفضلها هذا المفكر الحر أيدينا على المستقبل المدهش بالمفاجآت والمشحون بالخوف والأمل والساعي فوق رمال متحركة والراحل في العجائب المذهلة، لا بقراءة المنجمين ولكن باستقراء الخبراء العلماء الذين يستجوبون التاريخ والعصر الحاضر لرسم آفاق المستقبل.
والكتاب جدير بالترجمة للغة العربية لأنه أيضاً يتحدث عن مصير العرب والمسلمين، فنحن لسنا كوكباً منعزلاً عن بقية العالم بل نحن جزء منه ويمسنا ما يمسه من خير أو شر. واخترت للقراء الكرام لمحات من الكتاب تتعلق بالإمبراطوريات، لأن جاك أتالي يؤكد بان العالم سيشهد في المستقبل نشأة إمبراطورية كبيرة وضخمة «هايبر إمبراطورية» لن تكون الولايات المتحدة الأميركية سوى جزء منه، بفضل عاملين أساسيين هما:
1 ـ تعملق شبكة الإنترنت بدرجة تجعل من العالم الافتراضي أي الإلكتروني عالماً مستقلاً بذاته في ربع القرن القادم، سوف يخرج تدريجياً عن الهيمنة الأميركية التي نشأ تحتها ليصبح إمبراطورية قائمة الذات بالتجارة والاقتصاد والثقافة، وستكون هذه الإمبراطورية من دون جنسية، حيث تتفاعل في صلبها كل القوى العظمى الآتية كالصين والهند والبرازيل والاتحاد الأوروبي وروسيا إلى جانب الولايات المتحدة التي حسب الكاتب ستتخلى عن سياساتها الراهنة بضغوط داخلية متفاقمة، لكنها لن تفقد لا تأثيرها الثقافي ولا حضورها الاقتصادي في بقية أنحاء العالم.
2ـ انفكاك تدريجي للشركات العملاقة عن جنسيتها الحالية لتصبح بالفعل شركات بلا هوية وطنية محددة وتدخل بذلك كل المؤسسات المنتجة والتجارية الأميركية واليابانية والأوروبية والصينية والهندية مجالاً جديداً هو العولمة الحقيقية أي التنافس على أساس الانتماء لا لوطن معين ولكن للإنسانية جمعاء.
ويقول المؤلف إن هذا التحول سينعكس على السياسة والثقافة ليتحرك العالم نحو إلغاء تدريجي للأيديولوجيات التقليدية والمعتقدات الجاهزة فيهزها ليصهرها في قالب شبه موحد (ستندارد) يسعى بالبشرية على نهج حرية السوق والديمقراطية والحريات الشخصية، مع الاحتفاظ ببعض الخصوصيات الثقافية التي لا تفسد هذا الخط المعولم.
ويستعرض الكاتب الإمبراطوريات الماضية فيقول إن أعمارها تناقصت مع مرور القرون، من الرومانية التي عمرت 1006 سنوات إلى الصينية والفارسية والمغولية ثم الأوروبية ثم العثمانية، وقد تقلصت أعمارها من 600 إلى 400 عام وصولاً إلى الإمبراطورية السوفييتية التي لم تعش سوى 70 عاماً. وكذلك سوف تندثر الإمبراطورية الأميركية لكن لتنصهر فيما سماه جاك أتالي الهايبر ـ إمبراطورية.
وبخصوص الإسلام يقول الكاتب إن الأمة ستحاول هي أيضاً الاجتماع على منظومة قيمها لتكون ذات تأثير في المستقبل، لكنها ستعدل من رؤاها لتصبح عقلانية أكثر بشرط حلحلة الأزمات القائمة في الشرق الأوسط (فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان والملف الكردي).
alqadidi@hotmail.com