صار من شبه المؤكد أن يعقد مؤتمر إقليمي، أواسط الجاري، في بغداد؛ تشارك فيه الدول الخمس الكبرى ومصر، إلى جانب دول الجوار العراقي. جيران بغداد سبق والتقوا في أكثر من مؤتمر. لكن هذه المرة، الحدث مختلف ويمكن أن يشكل انعطافة واعدة.
على الأقل مطلوب حشد كل الطاقات وبذل كل الجهود، لإعطائه هذه الوجهة. الجديد الممكن أن يجعله كذلك، ليس مشاركة دول الفيتو فحسب؛ بل اللقاء والتحاور اللذان سيوفرهما بين واشنطن وكل من طهران ودمشق. يعزز الفرصة ويميزها أن واشنطن كانت مع بغداد، وراء المبادرة؛ وأن العواصم الثلاث رحبت بالحضور ومن دون شروط مسبقة وهذا بحد ذاته تطور ملفت؛ على خلفية التأزيم المعروف.
طهران، حسب التقارير، «مهتمة» بحضور المؤتمر، واشنطن كان ردها أنها إذا دُعيت فهي «ستشارك بالتأكيد»، الوزيرة رايس أكدت الدعوة في اتجاه إيران وسوريا. وزير خارجية العراق أكد هو الآخر، موافقة بلدان الجوار على اللقاء. بل أضاف بأنه إذا كانت أصلاً هي «للبحث عن سبل تحقيق الاستقرار في العراق»؛ فإنها قد تكون أيضاً فرصة للقوى الغربية والإقليمية لمحاولة حل بعض خلافاتها، معرباً عن أمله في أن تتحول إلى «محاولة لكسر الجمود، وربما لعقد اجتماعات أخرى في المستقبل». فحوى الكلام أن المناسبة قد تصبح مدخلاً لحوار أميركي مع إيران وسوريا.
يعزز من ذلك، أن تأكيد الوزيرة رايس بأن الدعوة حصلت بمعرفة واشنطن ومبادرتها، بدا وكأنه مؤشر على حصول تحوّل في موقف الإدارة الأميركية تجاه موضوع الحوار مع إيران وسوريا، فقد سبق لها أن رفضت توصية تقرير لجنة بيكر في هذا الخصوص. كما رفضت مطالبات أميركية عديدة، من الكونغرس وغيره، لفتح مثل هذا الحوار.
الآن ليس المهم لماذا جرى هذا التغيير، المهم أن إحدى بوابات الحوار المطلوب قد انفتحت. ولو أن الفتحة قد لا تزيد على شقّ صغير، ولا شك أنها في بداياتها ستبقى أسيرة الارتياب وجس النبض. لكن ذلك لن يلغي حقيقة أن المتحاورين يجمع بينهم اعتقاد بوجود أرضية مشتركة بينهم. طبعاً لكل واحد حساباته. والتسليم بأنها تتقاطع مع حسابات غيره عند نقاط معينة يمكن البناء عليها، هو الدافع وراء اللقاء.
وإلا لماذا المشاركة الآن، بعد كل الرفض في السابق؟ إلا إذا كان ذلك لتسجيل مواقف أو شراء الوقت. لكن التطورات في العراق وغيره بالمنطقة، لم تعد تسمح بمثل هذه الممارسة. وليس هناك من اللاعبين من لا يدرك ذلك تمام الإدراك. كما ليس هناك من لا يعرف أن استمرار التدهور مؤذٍ للجميع.
ولا شك أن هذا الإدراك حمل الجميع على التزحزح وإبداء الموافقة والرغبة، بخصوص المشاركة في المؤتمر. التحدّي يبقى في جدية المؤتمرين لاعتماد مقاربة جديدة مختلفة تجاه القضايا الخلافية، وبما يكفل اجتناب الفشل والخروج من المؤتمر إلى الحالة التي سبقت الدخول إليه. على الأقل أن يصار إلى اغتنام الفرصة وعدم إضاعتها والانطلاق منها لتطوير بديل غير صدامي، لمعالجة نزاعات المنطقة، وربما اكتسب ذلك أهمية إضافية إذا ما تحقق كونه سيأتي عشية القمة العربية، البالغة الأهمية.