كلما نشأت محكمة دولية استبشر العالم خيرا بأن تكون نشأتها بداية لرحلة الألف ميل باتجاه العدالة الدولية والضرب بيد من حديد على موجة الظلم العالمي التي عانى منها ملايين البشر في العالم بسبب الاستعمار والتفرقة العنصرية والاحتلال الجاثم على شعوب مقهورة منذ عشرات السنين وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.
لكن المسار الذي اتخذته المحكمة الجنائية الدولية فيما بعد يطعن في الصميم مفهوم العدالة الدولية والآمال التي انتعشت مع قيام المحكمة ، وبخاصة هذا الموقف المعيب الذي يستدعي ان تتهم المحكمة مسؤولين في دولة مثل السودان للمحاكمة امامها بالمخالفة للأعراف الدولية والمواثيق التي تنص على ان المتهم يحاكم امام محاكم بلاده حتى لو كانت التهم تتعلق بجرائم ضد الانسانية.
وقد قام القضاء السوداني بواجبه في هذا الشأن مما يجعل تحرك المحكمة الدولية في نفس القضية امرا غير ذي معنى.
والتزاما للصراحة مع الذات والآخر فان الملاحظ ان سلوك المحاكم الدولية قد اخذ يتجه مع جملة السياسات الغربية في نفس الاتجاه الذي يرمي الى الضغط على الدول الاسلامية والعربية على وجه الخصوص.
وباستعراض سريع لثلاثة مواقف للمحاكم الدولية نجدها جميعا تصب في اتجاه الضغط على تلك الدول الاسلامية والعربية ، فحين نظرت قضية الجدار الفاصل الذي تبنيه اسرائيل على اراض فلسطينية لم تتخذ محكمة العدل الدولية عام 2004 قرارا بضرورة إزالته رغم مخالفته للقوانين الدولية التي تحرم احتلال اراضي الغير والاستيلاء عليها بالقوة او تغيير معالم المناطق الواقعة تحت الاحتلال.
وحين قضت المحكمة الجنائية الدولية في مذابح مسلمي البوسنة برأت صربيا من تهم الضلوع في هذه الإبادة مع ان رئيسها ميلوسيفيتش كان يحاكم حول نفس التهمة حتى وفاته امام المحكمة الدولية، كما ان حلف الاطلنطي شن غارات على صربيا لمنعها من دعم صرب البوسنة في تنفيذ المذابح بحق المسلمين وبخاصة في سربرنيتشا التي آلمت ضمير العالم ولا تزال لفداحة الخسائر البشرية التي اسقطتها المذابح في صفوف مسلمي البوسنة.
واليوم يواجه السودان ازمة مع المجتمع الدولي بسبب اصرار المحكمة الجنائية الدولية على توجيه اتهامات لمسؤولين سودانيين رغم عدم وجود دلائل دامغة على ان اعمال التوتر في دارفور كانت منظمة من قبل حكومة الخرطوم.
ان العرب المسلمين يحق لهم القلق بعد هذه الاستطلاعات السريعة لمسرح الاحداث الدولية سواء في مجال السياسة او العدالة، وما اوسع الهوة التي حدثت في علاقات الدول بعد 11 سبتمبر 2001، رغم ان المسرح السياسي العالمي كان مهيأ لتقبل فكرة الاعتدال في التعامل بين الدول الكبرى والعالم الثالث وتجاوز آلام الماضي واشكال الاضطهاد والتفرقة العنصرية التي شهدتها مرحلة الحرب الباردة او بالاحرى منذ الحرب العالمية الثانية.
وقد شهد مؤتمر ديربان لمناهضة العنصرية والذي عقد في جنوب افريقيا واختتم اعماله في الثامن من سبتمبر 2001 (أي قبل وقوع احداث 11 سبتمبر بثلاثة ايام فقط) وعيا عالميا كبيرا بضرورة تغيير الموازين المختلة في التعامل مع القضايا الشائكة او ما يعرف بسياسة الكيل بمكيالين في التعامل مع تلك القضايا.
وآنذاك هددت الولايات المتحدة واسرائيل بتخريب المؤتمر والانسحاب منه اذا ادينت اسرائيل بتهمة التفرقة العنصرية بحق الشعب الفلسطيني. وفي الحقيقة يعتبر مؤتمر ديربان مفصلا تاريخيا مهما بصفته خاتمة المساعي التي ترمي الى اعتدال الموازين ثم جاءت كارثة 11 سبتمبر لتحرف المسار الدولي بمعدل مائة وثمانين درجة ليبدأ عصر جديد من الظلم والانحراف السياسي والقضائي الدولي الذي يهدد في الصميم مستقبل وحضارة وتنمية العالمين العربي والاسلامي من اجل عيون دولتين اثنتين او بالأحرى اصحاب المصالح في هاتين الدولتين وهما الولايات المتحدة واسرائيل.
وما اجدر الدول العربية اليوم من اي يوم مضى ان تقف وقفة صامدة في وجه الضغوط التي يواجهها السودان الشقيق الذي اصبح يئن تحت سياط ومطامع الشركات العابرة للقارات، والسياسيين الدائرين في أفلاكها.