ظن الناس وقد انقشع الضباب الكثيف الذي لف البلاد صباح أول من أمس أن رجال الشرطة والمرور في الشارقة قد نسوا أو أهملوا في تحريك السيارات التي تعرضت لحوادث السير البليغة، وتحولت إلى سكراب أو خردة لم يعد المرء يعرف مقدمة السيارة من مؤخرتها، ولم يقترب أحد من تلك السيارات المضرجة بالدماء بعد أن أخرجوا منها جثث وأشلاء من كان بها.

بل أكثر من ذلك أن تلك الميادين والدوارات التي تقبع بها تلك الكتل من الحديد أصبحت خلال اليومين الماضيين بمثابة مزار يرتاده الناس ويتوقفون، والواحد منهم يهز رأسه أسفا على ضياع تلك الأرواح هكذا وفقدانها لحياتها وترك من يحبونهم يكتوون بنيران الفرقة من بعدهم.

لكن الواقع أن لا رجال شرطة المرور أهملوا تحريك تلك التي كانت يوما تسمى بالسيارات، ولا حتى نسوا تلك الحوادث التي وقعت وراح ضحيتها أرواح شباب وأطفال ونساء ورجال في لحظات طيش وتهور أحيانا وتواجد البعض في مكان وزمان خاطئين، فكان الموت يتربص بهم ليذهبوا ضحايا لأخطاء وتجاوزات وطيش الآخرين ليكون نصيبهم المصير ذاته.

فالمسألة ببساطة كانت مقصودة وجاءت ضمن فعاليات الحملة الوطنية للسلامة المرورية التي أطلقتها وزارة الداخلية برعاية خاصة من أم الإمارات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، والتي شهدتها مدن وإمارات الدولة أول من أمس.

فكرة استخدام السيارات التي تعرضت لحوادث بليغة وخلفت وراءها قصصا وحكايات أليمة لا شك أنها على الرغم من شدة قساوتها على النفس ليس على ذوي من راحوا حوادث بل حتى للآخرين نعتقد أنها بالغة الأثر والتأثير على كل من يشاهد أكوام الخردة من السيارات التي كانت في يوم من الأيام ذات «شنة ورنة»، لكنها لم تعد كذلك بل أصبحت كتلة حديد بغيضة يترحم المارة على من كان بداخلها، وعلى المصير الذي آل إليه بيده أو بيد غيره.

نتمنى ـ والناس عندنا لايتعظون ولا يعتبرون، بل ولا يتخذون مما مر به غيرهم دروسا فيتجنبون مآسي و نهايات حزينةـ أن يتخذوا من رسائل شرطة الشارقة في حملتها الوطنية للسلامة المرورية دروسا لوقف النزف في الأرواح والممتلكات، ويضعوا بأيديهم نهاية لحكاية درامية دامية، ويعلنوا نهاية عهد الاستهتار في قيادة السيارة، ولا يلقوا بأنفسهم في التهلكة من أجل لحظات متعة خاوية لا تدوم بل تودي بحياتهم. بألم عميق نقول: إنه لا يكاد يوجد في مجتمعنا بيت لا يحمل من فيه ذكريات حزينة لفقدان أشخاص أعزاء على نفوسهم رحلوا وتركوهم غارقين في أحزان لا تنتهي.

fadheela@albayan.ae