يشهد العالم خلال الحقبة الراهنة حالة عامة من الغليان والصراعات، تكاد تصل إلى مستوى «حرب عالمية» غير معلنة. وقد تكون أوسع انتشاراً وأكثر أضراراً من الحرب العالمية الثانية، وربما من الحربين العالميتين معاً.

وتمثل دول عالمية كبرى وأخرى إقليمية طامحة أو متحفزة، اللاعبين الرئيسيين في هذه الصراعات والنزاعات، بشكل مباشر في الغالب وغير مباشر أحيانا. وتتكبد من اجلها خسائر فادحة بشرياً ومالياً، إضافة إلى حجم الخسائر والدمار الذي تتعرض له الشعوب والبلدان التي قدر لها أن تكون ميدانا أو مسرحا لجنون العظمة والهوس التدميري، بل العبثي، خاصة حين تكون خسائر أولئك اللاعبين المهووسين أكبر من أي (مكاسب) خاصة يجنونها أو يتوقعون الحصول عليها في المستقبل جراء القتل والدمار واستمرار العدوان!

فمن المستفيد، إذن، من الإصرار على هذا النزيف الدافق من أرواح البشر ومواردهم ومقومات حياتهم؟

من طبائع الدول أن تبحث عن مصالحها، أو ما تعتبره مصالح حيوية لها، وأن تسعى لتحقيق تلك المصالح بما لديها من وسائل مختلفة، وذلك أمر مفهوم في ميدان السياسة وإن كان من الصعب تبريره أخلاقيا في معظم الحالات.

لكن حين تكون سياسات الدول مدعاة لتعرضها لمزيد من الخسائر، وفقدانها لمكاسب كانت تتمتع بها، من امتيازات خاصة ونفوذ سياسي أو معنوي، فضلا عما كان يمكن أن تحصل عليه بأثمان زهيدة أو بالمجان، فلا بد أن هناك خللاً ما يعانيه المخططون والمسؤولون عن مثل تلك السياسات، أو أن جهة أو جهات ضاغطة، غير سوية وغير مرئية، تفعل فعلها من وراء ستار.

ولعل النموذج الأبرز لذلك في الوقت الحاضر هو السياسة الأميركية التي دأبت، في السنوات الأخيرة خاصة، على شن الحروب وافتعال النزاعات والتحريض على المزيد منها في مختلف أنحاء العالم.

وبدلا من أن تحقق مكاسب منظورة لمصلحة الولايات المتحدة والشعب الأميركي، جاءت النتائج عكسية ومهينة أحيانا للقوة العظمى، بل الأعظم في كثير من المجالات. فقد أصبحت الكراهية هي العنوان الأبرز لنظرة الكثير من شعوب العالم إلى أميركا، ولم تعد هذه الكراهية قاصرة على الدولة وسياساتها، بل انعكست عند البعض كراهية للشعب الأميركي نفسه!

وأصبح الأميركيون في كل مكان معرضين للخوف والقلق الدائم من ردات الفعل المحسوبة وغير المحسوبة على سياسات بلدهم. وتحولت أميركا من بلد جاذب لكل من يبحث عن الحرية والمعرفة وفرص الثراء، إلى محمية أمنية ومخابراتية طاردة لمن فيها، فضلا عن من يفكر في الذهاب إليها ولو للزيارة. كما فقدت الدولة الكثير من هيبتها ومكانتها المعنوية، رغم أنها ما زالت تخيف البعض.

أما الخسائر البشرية والمادية المباشرة التي تكبدتها من الانزلاق والتدخل في حروب ونزاعات تغطي العالم كله، فيكفي كمثال عليها ما تتعرض له في كل من العراق وأفغانستان.

لكن أميركا ليست وحدها في هذا المجال، وان كانت صاحبة النصيب الأكبر فيه دون جدال. فهناك دول عديدة أخرى في الساحة الدولية والمجالات الإقليمية، تتكبد الخسائر تلو الخسائر نتيجة سياساتها المتعنتة وأوهامها في مد السيطرة والنفوذ، ومع ذلك تستمر في المكابرة والتمسك بنهجها الخاطئ!

في دول كالتي نعرفها في عالمنا الثالث لا يبدو مثل هذه السياسات غريبا أو جديدا، حيث حكم الفرد الواحد والرأي الأوحد، إن كان هناك رأي أصلا كالذي عناه أبو الطيب المتنبي بقوله «والرأي قبل شجاعة الشجعان».

أما في دول الديمقراطيات العريقة والمؤسسات الدستورية والسلطات الرقابية الرسمية والمنظمات المدنية العديدة، فإن الاستبداد بالرأي والسلطة والتشبث بالأخطاء الفادحة لا يشكل خروجا على المألوف وخرقا للقوانين والأعراف الدستورية والسياسية فحسب، وإنما يرقى إلى مستوى انقلاب فعلي لا يختلف كثيرا عن الانقلابات العسكرية التي عرفناها في عالمنا إياه، سواء كانت دموية أو «ما عندهاش دم»!

فهل انتقل العالم، وبعض دوله الكبرى تحديدا، من ادعاءات الحرية ووعود الديمقراطية إلى نشر الدكتاتورية و(عولمتها)؟

سؤال، كسابقه، يبقى دون إجابة شافية، وان كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قارب هذه الإجابة مؤخرا في تصريحاته الحادة تجاه أميركا.

المؤكد، على أي حال، انه من غير المقنع إطلاقا أن مثل هذا «الانقلاب العولمي» بكل مقدماته وتداعياته، قد حدث بمحض الصدفة ودون سابق إصرار وتخطيط. أما من أصر وخطط ومن ثم أصبح هو المستفيد، فعلمه عند ربي «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا»!!