مات موريس باون، وبموته تذكر الفرنسيون وأطراف أخرى - كل من زاوية مختلفة ـ صفحات سوداء من تاريخ الرجل الذي تلوثت يداه بدماء ضحايا كثيرين كونه واحدا من رجال سنوات فرنسا الصعبة التي بدأت بالاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية: حرب فيتنام، العدوان الثلاثي على مصر، حرب الجزائر..
وفي قلب هذه العواصف عاش بابون ورحل تاركا أسئلة لم تزل الإجابة عن بعضها محل خلاف، لكنه ترك - وهذا هو الأهم ـ عبرة لم يفلح العرب في استيعابها رغم أهميتها الاستثنائية، وقد رحل بابون بعد أن شارك في صنع الكثير من الأحداث المهمة.. بالدم!
في المستنقع النازي كان موريس بابون يعيش في عزلة منذ الإفراج عنه في سبتمبر 2002 لأسباب صحية حيث كان يقضي حكما بالسجن لمدة عشرة أعوام منذ عام 1998 بعد أن كشفت صحيفة «لوتونار أونشينيه» الفرنسية وثائق تحمل توقيعه تثبت تورطه في جرائم ضد اليهود في الحرب العالمية الثانية.
والكاتب الجزائري سعدي بزيان في كتابه عن جرائم بابون لم يجانب الصواب عندما عرَّفه بقوله: «واحد وتسعون سنة، نصفها قضاها كمجرم حرب»، فبابون المولود في الثالث من سبتمبر 1910 صاحب الشهادات العليا في الحقوق والقانون العام والاقتصاد السياسي .
والذي تقلد مناصب عدة فانتخب نائبا برلمانيا عام 1968، ثم وزيرا للموازنة بين عامي 1978 ـ 1981 وعاصر حكومات مختلفة من بينها حكومة فيشي إبان الاحتلال الألماني لفرنسا حيث كان من أكبر ضباطها مرتبة، هذا السياسي المرموق ارتكب جريمة إبادة ضد يهود فرنسا وشارك في اقتيادهم إلى معسكرات الإبادة النازية.
وقد بدأت رحلة نحو النهاية المؤلمة بعد وصول الاشتراكيين إلى سدة الحكم في فرنسا في مايو 1981 برئاسة فرانسوا ميتران، إذ بدأ الخطر يتهدده لأن محيط الرئيس الفرنسي كان مليئا بشخصيات يهودية تعرف ماضيه. وفتحت الجرائد الفرنسية ملفاته ونشرت وثائق تؤكد تورطه في إرسال اليهود إلى معسكرات الموت في ظل حكومة فيشي العميلة للنازيين الألمان.
وفي ديسمبر 1981 رفعت دعوى قضائية عليه متهما إياه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وتفاعلت الأحداث وتوالت التهم على بابون، ولم ينقذه تقدمه في السن ولا مرضه من الوقوف أمام العدالة الفرنسية فحوكم عام 1997 باعتباره مجرم حرب وصدر في حقه حكم بالسجن عشر سنوات.
بابون في ذاكرة الجزائر
لكن السفاح الذي ارتكب جريمة الاشتراك في الهولوكوست النازي لم تكن تلك جريمته الوحيدة فاشترك في جريمة أخرى ضد الجزائريين في فرنسا عندما شارك في القمع الدامي للمظاهرات الجزائرية الضخمة التي شهدتها باريس عام 1961 وتعد مذبحة يوم 17 أكتوبر 1961 إحدى العلامات التي لا تنسى في تاريخه. وقد سعت فرنسا طويلا لإخفائها. وقد كانت فرنسا في مواجهة منظمة «اتحادية جبهة التحرير» وهي حركة جزائرية مرت نشاطاتها بمراحل عديدة بدءا بتأسيس خلايا للفدائيين الجزائريين في فرنسا تطبيقا لفكرة نقل الحرب إلى أرض «العدو».
وكان من بين المرشحين لتولي هذا الملف موريس بابون فقد كان واليا على منطقة قسنطينة في شرق الجزائر وأذاق سكانها الويلات بقبضته الحديدية، مستفيدا من خدمات «الحركي». وفي مواجهة هذا النشاط وبحكم خبرته اختاره الجنرال ديغول عام 1958 رئيسا لشرطة باريس ومقاطعة السين ليقوم «بتطهير» العاصمة الفرنسية وضواحيها من «إرهاب» اتحادية جبهة التحرير، ومنحه كامل الصلاحيات وقدم له كل الدعم الذي يطلبه.
وبعد خمسة أشهر من توليه المنصب وجد بابون نفسه أمام حرب عنيفة من خلال العمليات الفدائية المكثفة التي كانت تقوم بها الاتحادية خاصة على الحركي ورجال الأمن، فوضع خطة للقضاء عليها تقوم على تنظيم شرطة موازية للشرطة الأصلية تتكون من عناصر من «الحرْكي» والعملاء يؤتى بهم من الجزائر ويزرعون في أحياء باريس الآهلة بالعمال الجزائريين لرصد تحركاتهم، وأعطي هؤلاء حرية التصرف للقضاء على الاتحادية، فكان أن ارتكب الحركي أبشع الأعمال بحق المهاجرين الجزائريين فقتلوا منهم الكثيرين واعتدوا على حرماتهم وانتهكوا أعراضهم.
وفي إطار الاحتجاجات التي كان يقوم بها العمال المهاجرون الجزائريون على الجرائم البشعة التي كانت ترتكب في حقهم خرجت تظاهرة سلمية نظمها هؤلاء المهاجرون في العاصمة الفرنسية تحت قيادة اتحادية جبهة التحرير وشارك فيها حوالي 30 ألف متظاهر طافوا 20 حيا من أحياء باريس المعروفة وصدرت أوامر موريس بابون المباشرة إلى الشرطة والحركى بالتصدي للتظاهرة مما أسفر عن 300 شهيد قضوا غرقا في نهر السين، إلى جانب 400 مفقود!
وهناك شهادات على أن عشرات الجثث ظلت تطفو فوق نهر السين أياما عديدة، وعشرات أخرى اكتشفت في غابتي بولونيا وفانسان، بالإضافة إلى عدد غير معروف من الجزائريين تم التخلص منهم رميا من على متن الطائرات ليبتلعهم البحر بعد ذلك. ولعل أكبر شهادة مفصلة على ذلك جاءت على لسان الكاتب الفرنسي المعروف جون لوك إنودي في كتابه «معركة باريس» الذي وصف ذلك اليوم باليوم الأسود.
المعايير والعبر المزدوجة
أثار موت بابون أسئلة عديدة في مقدمتها أن الحكومة الفرنسية أدانت بابون لجرائمه في حق اليهود، وتجاهلت كليا جرائمه في حق الجزائريين ففي مواجهة مطالبات جزائرية بمحاكمته على جرائمه تلك أعلت السلطات الفرنسية أنها ترفض مبدئيا أي تجريم للأعمال التي قام بها العسكريون الفرنسيون إبان الثورة الجزائرية على عكس ما تم في محاكمات شخصيات فرنسية متهمة بمناهضة السامية كما كان الحال مع كلاوز باربي، ومع موريس بابون نفسه وهو ماضٍ استعماري فرنسي لا يكاد يراه مثقفونا متأثرين بصورة «مثالية» لفرنسا كونها «مهد» حركة التنوير أو النصير الأوروبي للحقوق العربية في مواجهة «الهيمنة الأميركية»!
لكن ومن ناحية أخرى فإن اغتصاب أرض فلسطين عزز المشاعر العدائية تجاه اليهود وجعل المعادين لليهود بدءا من هتلر وانتهاء بموريس بابون وأمثاله موضع تعاطف من بعض حسني النية الذين يظنون أن رفع الظلم عن الفلسطينيين يمكن أن يتحقق بإيقاع الظلم باليهود في ترجمة ساذجة وتبسيطية لمقولة: «عدو عدوي صديقي»، وما تؤكده سيرة بابون هو أن «عدو عدوي» يمكن أن يكون عدوي أيضا!
كاتب مصري