جمعية تطوعية لبنانية تتبرع بإعادة بناء منازل الأسر في القرى التي دمرها القصف الجوي الإسرائيلي، هذه الجمعية تضم الولايات المتحدة اسمها إلى القائمة الأميركية للمنظمات الإرهابية فياعجباً!
عن طريق دعم تسليحي ودبلوماسي كانت الولايات المتحدة شريكاً فاعلاً في جريمة العدوان الإسرائيلي على لبنان في الصيف الماضي، لكنها تعزف عن مشاركة اللبنانيين في إعادة بناء منازلهم. غير أنها لا تكتفي بالامتناع عن المشاركة في إعمار ما دمرت الحرب بل تعمد إلى تعويق جهود أي جهات أخرى بما في ذلك الجمعيات الإنسانية التطوعية.
«مؤسسة جهاد البناء» جمعية خيرية لبنانية دأبت لمدى ربع القرن الأخير على تكريس مواردها ليس فقط لإعادة بناء منازل الأسر في القرى التي تتأثر بالحروب الإسرائيلية المتكررة بل أيضاً تدفع لكل رب أسرة مبلغاً نقدياً محترماً (ما يعادل عشرة آلاف دولار) لمقابلة النفقات المرحلية (سكن مستأجر وإعاشة) ريثما يكتمل بناء المنزل المدمر.
الآن قررت الولايات المتحدة «معاقبة» هذه الجمعية.. فأصدرت وزارة الخزانة الأميركية أمراً بتجميد أصولها ورغم ان القرار نظري ورمزي (حيث أن الجمعية ليس لديها أصول خارجية) إلا أنه يعكس مدى الانحطاط الأخلاقي للسياسة الأميركية.
وفي تسويغ القرار لم تستطع الإدارة الأميركية ان تقول ان للجمعية سجلاً في النشاط الإرهابي. كل ما استطاعت قوله هو الطعن في تبعية الجمعية للمقاومة الوطنية اللبنانية المتمثلة في «حزب الله». فقد قالت وزارة الخزانة الأميركية ان حزب الله يستغل الجمعية «لجذب السكان إليه من خلال خدمات بناء مدنية.. وبغية رفع شعبيته»، وما العيب في ذلك؟
فسواء كان هدف حزب الله هو الخير الخالص أو مجرد الدعاية والسمعة فإن المنازل تبنى والإعانات النقدية تدفع، ثم إذا كانت الإدارة الأميركية لا تريد لحزب الله ان يحقق مكسباً شعبياً فلماذا لا تفتح وزارة الخزانة الأميركية نفسها خزانتها لمساعدة الأسر اللبنانية المنكوبة على غرار ما يفعل حزب الله، أم الولايات المتحدة متخصصة فقط في شؤون التدمير دون التعمير كما يقول سجلها الفاضح في فيتنام وأفغانستان والعراق والصومال؟
إن للولايات المتحدة وجوداً قوياً متعدد الجوانب في لبنان، لكن المروءة الاقتصادية ليست أحد هذه الجوانب. فليس بوسع أية إدارة أميركية أن تفاخر بأنها أقامت مشروعاً تنموياً على الأراضي اللبنانية.
لبنان يرزح الآن تحت مديونية خارجية بلغت 40 مليار دولار تستنزف موارده بما ينعكس بؤساً وشقاءً معيشياً على الأغلبية العظمى من الأسر اللبنانية دون أن يتلقى أي عون اقتصادي من الولايات المتحدة، فالأولوية الأميركية في لبنان كما في غيره من الدول العربية الأخرى ودول العالم الثالث الخاضعة لنفوذ سياسي أميركي هي رفع كفاءة أجهزة القمع الأمني الداخلي.
وليت المسلك الأميركي في لبنان توقف عند هذا الحد. فالموقف العدواني الذي اتخذته الولايات المتحدة ضد «مؤسسة جهاد البناء» لا يعكس فقط نية للامتناع عن رفع الضرر عن الشعب اللبناني وانما يعكس أيضاً تصميماً شريراً لتكريس هذا الضرر.