الحكم الذي صدر عن محكمة العدل الدولية، أول من أمس، بتبرئة ساحة صربيا من مسؤولية مجازر البوسنة بين عامي 1992 و 1995؛ ترك شيئاً من الإحباط، إذا لم يكن الخيبة. ليس لأن صربيا بالضرورة هي المسؤولة. أو لأن المحكمة منحازة. بل لأن هذه الأخيرة لم تقوَ على تحديد الجهة التي ارتكبت فظائع تلك الفترة؛ والتي وافقت المحكمة نفسها على تصنيفها في خانة الإبادة.

فبقاء علامة الاستفهام عالقة في جريمة من هذا النوع وبالتالي تركها تمر من غير قدرة على تعيين المرتكب وتكبيده الثمن؛ مسألة من شأنها أن تثير مخاوف مشروعة من احتمال تكرار مثل هذه الإبادة في أماكن أخرى من العالم؛ على أساس الاعتقاد أنه بالإمكان الإفلات من شباك العدالة فيها. كما من شأن ذلك أن يهز الثقة بقدرة المحكمة الدولية كرمز وكضامن للعدالة الكونية، على كشف الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان الأساسية ومعاقبة الاعتداء ـ خاصة الدموي منه ـ عليها.

مجزرة سربرينتسا التي وقعت أواسط يوليو 1995، ذهب ضحيتها حوالي 8 آلاف قتيل، عثر على نصفهم في مقابر جماعية، رفعت البوسنة شكوى إلى محكمة العدل الدولية، في لاهاي، للكشف عن الفاعل الذي مارس القتل والتطهير والاغتصاب، في جريمته. اتهمت صربيا بالجريمة، الحكم الصادر أسقط التهمة، في الحيثيات أنه لم يتوفر الدليل، لتجريم صربيا؛ كفاعل ولا كمحرض.

وأضافت، في أول قضية تنظر فيها بمقتضى معاهدة 1948 الدولية التي نصت على وجوب معاقبة مرتكبي أعمال الإبادة، بأن صربيا تتحمل فقط مسؤولية عدم القيام بالتزاماتها لمنع وقوع تلك الجريمة، ومع ذلك فهي لا تتحمل دفع التعويضات لأهالي الضحايا.

المفقود الكبير هنا هو الطرف الذي مارس وليمة القتل المرعبة تلك. جريمة بهذا الحجم، لابد وأن جهة قامت بها. كما لابد أنها استغرقت وقتاً غير قصير، فهي لم تكن عملية اغتيال خاطف، كانت عملية قتل منظم ومتعدد المهام. وعندما تنقضي سنوات على النظر بهكذا قضية وأمام محكمة تملك الإمكانيات والآليات والصلاحيات الأكبر والأوسع في العالم من دون وضع الإصبع على الجرح، عندئذ لابد وأن يترك ذلك قدراً كبيراً من الإحباط ومعه الكثير من الأسئلة التي بقيت من دون إجابة شافية.

وفي ذلك ليس فقط انتكاسة للعدالة الدولية ـ لاسيما وأنها أول قضية من نوعها تنظر فيها هذه المحكمة ـ بل أيضاً تنامي الشعور بأن أحد أهم صمامات الأمان للعدالة في العالم، يبدو غير مطمئن؛ أو ربما ليس على مستوى التحدي أو المأمول منه.

وتزداد حدة هذا الشعور عندما يكون ذلك في زمن يستفحل فيه العنف الدموي، في أكثر من مكان، ليتخذ أحياناً ـ أو هو مرشح لأن يتخذ ـ حجم الإبادة أو مشروع إبادة. والخوف هنا أن يتحول الإحباط إلى استسلام وتقبّل لواقع الفوضى، في ضوء صورة الضمور الذي تعاني منه الأمم المتحدة، بكل مؤسساتها ـ ومنها محكمة العدل الدولية ـ والذي انعكس ضعفاً على دورها المرجو والمنشود، بل والمتوافق عليه في ميثاقها.

وإذا كان الاعتقاد الشائع في الوقت الراهن أن المنظمة الدولية باتت تعاني من وهن بسبب التجاذبات السياسية ونفوذ الكبار فيها، فإن ذلك، حتى الآن، لم يشمل مؤسساتها العدلية، والمحكمة الدولية، وهناك رغبة عامة ببقاء هذه الأخيرة ملاذاً وصمام الأمان المضمون لحماية القانون الدولي وملحقاته بالرغم من الحكم المعلق الذي صدر في هذه القضية.