صدر يوم الخميس الماضي 22 فبراير تقرير محمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة النووية المقدم لمجلس أمن الأمم المتحدة حول الملف النووي الإيراني. قال التقرير بأن إيران لم تتجاهل مطالب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1737 الصادر في 13 ديسمبر العام الماضي بتجميد تخصيب اليورانيوم فقط، وإنما وسعت برنامجها النووي بوضع مئات أخرى جديدة من مصفوفات أجهزة الطرد المركزي.

وأنها وسعت إنتاجها لليورانيوم المخصب من المستوى البحثي إلى المستوى الصناعي. وبينما يستخدم اليورانيوم المخصب لإنتاج الوقود النووي، فإنه يعتبر على درجة عالية تتيح استخدامه لأغراض عسكرية. واشنطن تصر على أن غرض إيران هو امتلاك السلاح النووي، بينما تؤكد طهران بأن أغراضها سلمية وهي ليست بحاجة إلى السلاح النووي. ومن المتوقع تركيب ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي إجمالا خلال الأشهر المقبلة.

ويفترض أن تكون الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا قد اجتمعت يوم أمس الاثنين في لندن لصياغة مسودة قرار عقوبات ثان ضد إيران. قبل ذلك، وفي اليوم التالي لصدور التقرير قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مؤتمر صحافي مع الرئيس الفرنسي إن «الباب لا يزال مفتوحا أمام المفاوضات مع إيران».

كما استبعد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير تدخلا عسكريا ضد إيران، وأكد أن الدبلوماسية هي الوحيدة الكفيلة بإيجاد حل للأزمة الحالية. وفي الخليج اعتبر وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة الاستفادة السلمية من الطاقة النووية حقا أساسيا وسياديا لإيران، وأن المحادثات هي الوسيلة الوحيدة للتسوية.

هل تبعث مثل هذه التصريحات من مختلف بلدان العالم على الاطمئنان بأن حربا جديدة لن تقع في منطقتنا ؟ أم أن الولايات المتحدة قد عقدت العزم على الحرب وتتجه نحوها بتسارع ؟ «التايمز» اللندنية (23 فبراير 2007) فككت شفرة تصريح بلير بأن المسؤولين البريطانيين يتخوفون من أن يأمر بوش بشن هجوم عسكري على إيران قبل نهاية ولايته في غضون أول من سنتين. ونقلت عن أحد المسؤولين اعتقاده بأن الرئيس بوش لن يترك المسألة الإيرانية للرئيس الذي سيخلفه دون «حل».

ولكي يتحقق هذا «الحل» قدمت الاستخبارات الأميركية وثائق «تثبت» أن الإيرانيين يعملون سرا منذ أكثر من 20 سنة على إنتاج السلاح النووي. لكن جوليان بورجر في مقالته في «ذي جارديان» اللندنية (23 فبراير 2007) كتب بأنه «حسب مصادر دبلوماسية في فيينا تبين أن معظم المعلومات الاستخبارية التي قدمتها أجهزة الاستخبارات الأميركية لخبراء الأمم المتحدة حول المشاريع النووية الإيرانية لم تكن صحيحة. ويذكر هذا بزيف المعلومات الاستخبارية حول وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق قبل شن الحرب ضدها ».

ما حقيقة ادعاء واشنطن حول خطط طهران السرية، القديمة - الجديدة؟ كان سفير إيران في موسكو غلام رضا أنصاري قد تحدث في مقابلة أجرتها معه «إكسبرت» في 27 نوفمبر 2006 أن شركات فرنسية وألمانية وأميركية أوصت بإنشاء مجمعات للطاقة النووية منذ عهد الشاه وقبيل انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

بعد انتصار الثورة، أي قبل أكثر من عشرين عاما، خول مجلس الشورى الإيراني الحكومة ببناء عشرين مجمعا للطاقة النووية. وهو تقريبا نفس العدد الذي كان مقدرا من قبل الشركات الغربية قبل الثورة الإيرانية، والذي لم يثر الغرب بشأنه شكوكا حول إنتاج الأسلحة النووية. ولإبعاد هذه الشكوك أكثر تقول إيران إنها ليست بالمطلق ضد مقترح روسيا لإنشاء مشروع مشترك لإنتاج الوقود النووي على الأراضي الروسية.

لكن تعتقد بأن في المقترح الروسي أمور لا تزال غير واضحة. كما أن قرار مجلس الأمن أواخر العام الماضي لم يشر سلبا إلى التعاون الروسي الإيراني في المجال النووي. لكنه ومع حجم ونوع الآلة العسكرية الأميركية المندفعة نحو الخليج والأموال التي تطلب لتمويل استراتيجية بوش الجديدة يبدو واضحا أن الإدارة الأميركية تعمل على قطع خط الرجعة عن قرار الحرب.

وقد أشارت مصادر إلى أن تشيني كان قد درس مع معهد إنتربرايز الأميركي تفاصيل العمليات العسكرية القادمة ضد إيران. ويرى محلل في معهد الشرق الأوسط في موسكو )ييٍمَّ.ِّْ( أن الاستعدادات تجري لتوجيه ضربات صاروخية تحطم أكثر من عشرة آلاف هدف في إيران خلال اليوم الأول فقط من الحرب. ثم إن هناك قوات المهمات الخاصة التي ستزج لتدمير كل ما يتبقى بعد ذلك.

في مؤتمره الصحافي في استراليا الأسبوع الماضي (نقلا عن يونايتد برس) صاغ تشيني المقدمة السياسية لهذه الحرب بأن «نقطة اللاعودة مع إيران» هي «اللحظة التي تمتلك فيها السلاح النووي أو التكنولوجيات الضرورية لذلك حتى ولو أنها لا تزال لم تنتج المواد الضرورية» !! كما صاغ المقدمة الأيديولوجية لها بأن « الإرهاب النووي يشكل الخطر الرئيسي على العالم المعاصر».

أي أن صورة العدو بالنسبة للولايات المتحدة التي جسدت يوما بالشيوعية ثم بالإسلام، ثم بالإرهاب الدولي تجسد اليوم بتحديد «أدق» في «الإرهاب النووي» الذي قد ينطبق لاحقا على دول أخرى غير إسلامية، وكبرى كروسيا. ولم تخل تصريحات تشيني من عنصرية تجاه إيران : « من الخطأ السماح لأمة كإيران بأن تصبح قوة نووية» !!.

هذه النظرة يجسدها أيضا ما قالته وزيرة الخارجية الأميركية في ديسمبر 2006 وأعادته رويترز إلى الأذهان يوم الجمعة الماضي من أنها تريد معرفة المزيد عن خطط دول الخليج العربية لدراسة استخدام الطاقة النووية وتساءلت عن السبب الذي يمكن أن يجعل السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم في حاجة إلى الطاقة النووية.

الواضح أنه إذا صودر على إيران حقها في تطوير صناعاتها النووية فإن هذا الحق سيصادر من باب أولى على بلدان الخليج التي لا تزال لم تقطع شوطا في ذلك. وما قاله وزير الخارجية البحريني يعني بكلمات أخرى أن لبلداننا حقا في هذه الصناعة يجب الذود عنه، بعدم السماح بشن حرب عدوانية على إيران تأكل الأخضر واليابس قي منطقتنا لتسلب منا في النهاية قوة حقنا في المستقبل لصالح حق القوة.