ليست المرة الأولى التي تعود فيها إدارة بوش عن التزامات قطعتها بالسعي إلى حلول للقضية الفلسطينية، فهذه الإدارة عودتنا على مقولات للتسويق الإعلامي منذ وصولها إلى سدة الحكم بينما لا تفعل على أرض الواقع إلا ما يناسب إسرائيل وما يعطيها الفرصة دائماً للالتفاف على موضوعات الحل النهائي ويمكنها من ترسيخ الاحتلال وتوسيعه على حساب الأرض والحقوق الفلسطينية بذريعة أن لا شريك فلسطينياً مناسباً لمثل هذه الطروحات.

ومع أن قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية واضحة ولا لبس فيها، غير أن الإدارة الأميركية لم تفكر يوماً بالتعامل مع هذه القرارات وإنما طرح بدائل التفافية الغاية منها تعجيز الجانب الفلسطيني والعربي عموماً، وإفساح المجال لإسرائيل كي تحدد هي الطروحات أو ما يطلق عليها التنازلات المؤلمة ثم يدخل الجميع في سجال عبثي تستغله إسرائيل لاستكمال مخططاتها التهويدية تدريجياً، وهذا بالضبط ما يجري الآن في القدس وضد المسجد الأقصى وفي عمليات استكمال بناء جدار الفصل العنصري. ‏

الآن يدور السجال حول حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية المزمع تشكيلها على خلفية اتفاق مكة ويحدد المطلوب أميركياً من هذه الحكومة بما يشبه الشروط المسبقة بأن عليها نبذ ما تسميه الإرهاب والاعتراف بإسرائيل حتى يصار إلى رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وإيصال الأموال المحتجزة في البنوك الدولية شرط ألاّ تصل هذه الأموال إلى حماس أو ممثلي حماس في الحكومة المقبلة، ليبدأ بعد ذلك «دك الأسافين» بين الفلسطينيين وإظهار أن حماس هي سبب معاناة الشعب الفلسطيني ثم تهيئة الأجواء لعودة الاقتتال الداخلي وهكذا... أي المطلوب أن يبقى الرهان الفلسطيني على سراب ويبقى عامل الزمن في مصلحة إسرائيل وتدخل القضية الفلسطينية في متاهات لا نهاية لها لتبديد هذه القضية شيئاً فشيئاً، وهذا باختصار أحد الأهداف الأهم في المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي. ‏

ولو كان الأمر غير ذلك لنفذ الرئيس بوش وعوده الهلامية بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات الحدود الجغرافية المتصلة كما قال قبل ثلاث سنوات، ولطويت أهم أسباب التوتر في المنطقة التي يشكلها الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية.. وحتى يثبت العكس وهذا احتمال معدوم، فإن سياسة الكيل بمكيالين وانعدام الشفافية، ستظل السمة الأساسية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط.‏