اقتحام قوات طالبان العاصمة الأفغانية كابول لم يعد سوى مسألة وقت. ولو شاء العسكريون الأميركيون الذين يقودون حملة الحلف الأطلسي في أفغانستان أن يفصحوا عن ذاوت أنفسهم لقالوا ذلك علناً.

إذن طالبان سوف تسترد السلطة وهي أقوى مما كانت عليه في عام 2001 عندما انسحبت بقواتها تكتيكاً إلى الجبال لتتفادى الاشتباك مع قوات أميركية غازية مجهزة بأحدث منتجات تكنولوجيا التدمير، بالتالي سوف يسترد الطاقم القيادي لتنظيم «القاعدة» قدرته على المبادرة في كنف سلطة طالبان وهو أيضاً أقوى مما كان عليه.

ومرة أخرى سوف يبدي العالم المزيد من الاستغراب تجاه طريقة التفكير الاستراتيجي الأميركي. فالولايات المتحدة تعرف كيف تبتدر حرباً شاملة لكنها لا تعرف كيف تضع نهاية لها. والحسابات السياسية الأميركية للحروب لا تقل تهافتاً عن الحسابات العسكرية.

تنظيم طالبان كقوة قتالية أنشئ أصلاً ـ ويا للمفارقة ـ بمبادرة أميركية. ففي عام 1995 كانت الولايات المتحدة في عهد إدارة بيل كلينتون قد توصلت إلى قناعة نهائية بأنه لا جدوى من استمرار المراهنة الأميركية على قيادات الفصائل الأفغانية التي هزمت قوات الاتحاد السوفييتي الاحتلالية خلال حرب جهادية. إذ سرعان ما دخل هؤلاء القادة ـ رباني وحكمتيار ودوستم ـ في تصارع دموي حول اقتسام غنائم السلطة مما أدى بالتداعي إلى اشتعال حرب أهلية.

من خلال دعمها القوي للفصائل الجهادية ضد القوات السوفييتية كانت الولايات المتحدة تأمل في حلول عهد استقرار سياسي في أفغانستان يسمح أولاً بدخول الشركات النفطية الأميركية لاستغلال ما كان تحت الأرض الأفغانية من احتياطيات نفطية، وثانياً بتحويل أفغانستان إلى قاعدة عسكرية أميركية عملاقة لمناوأة النفوذ السوفييتي (الروس لاحقاً) في دول آسيا الوسطى المتاخمة للأراضي الأفغانية.

ولأن الحرب الأهلية الأفغانية أفسدت الطموحات والخطط الأميركية فإن الفريق الاستراتيجي لإدارة كلينتون نصح باستبدال الفصائل الجهادية المتصارعة بقوة جديدة شابة، وكانت الفكرة هي تجنيد القوة الجديدة من شباب طلاب المعاهد الدينية. وهي فكرة تلقاها الفريق الاستراتيجي الأميركي من زعيم إسلامي باكستاني وتبناها على الفور .

ومن ثم تبنت الإدارة الأميركية المشروع، وبينما تولت إدارة كلينتون أمر التمويل والتسليح فإنها تركت مهمة التجنيد والتدريب لزعماء باكستانيين وأفغانيين إسلاميين من قومية البشتون المنتشرة بين أفغانستان وباكستان.

وبعد أن انطلقت قوات «طالبان» ـ أي الطلاب ـ في شن حربها على ميليشيات الفصائل الجهادية كإعصار صحراوي لم يكن الاستراتيجيون الأميركيون يعلمون شيئاً عن الأجندة الحقيقية لهذه القوة الطلابية.كان التنظيم ذا أجندة إسلامية راديكالية تستلهم أفكاراً ورؤى مناهضة للأميركيين ولم يدرك الاستراتيجيون الأميركيون هذه الحقيقة إلا بعد أن سجلت طالبان انتصاراً حاسماً على ميليشيات الفصائل.. وتولت السلطة.

الآن تستعد طالبان لمعركة فاصلة. وإذا تمكنت من تحقيق انتصارها الثاني منذ عام 1995 فإن أفغانستان سوف تتحول إلى أكبر مركز لمنازلة الأميركيين في ميدان سيكون الأكبر من نوعه. لأنه سيكون بمساحة الكرة الأرضية.