في مقالين سابقين في جريدة «البيان» تحدثت عن دور الحكومات التي تفكر بعقل السيطرة على العالم وعلى ثروات الشعوب لإشباع مصالحها السياسية والاقتصادية ومن أجل استغلال هذه الثروات لصالح فئة محددة، وكأنها لا تناسب أحداً غيرهم، أو ربما لا تصلح حتى للقضاء على الفقر والجوع المنتشر في عصرنا الحالي أكثر من أي عصر مضى، وكان بالأحرى أن تستغل هذه الثروات الطبيعية مع التقدم العلمي والتكنولوجي للحد من هذه الآفة إن لم يكن من الواجب إنسانيا القضاء عليها من قبل الفئة اللا انسانية المسيطرة على زمام الأمور.

لكن إذا كان حكام القارات الأكثر فقراً وهي إفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية لا يعبأون بأوضاع بلادهم المتردية لان ذلك يخدم مصالحهم، فأين دور الشعوب الأكثر معاناة من الفقر، وفي نفس الوقت الأكثر ثراء بما تزخر به أراضيها من ثروات ومصادر طبيعية؟

هل عن جهل أو استسلام رضيت هذه الشعوب بحكومات غير شرعية هي صاحبة الأمر والنهي والاختصاص، والمسؤولية، والنفوذ والجاه والنهب والسلب، أما الشعوب فعليها أن لا تطمح بأكثر مما لديها وهو حق المواطنة في ذلك البلد في افريقيا أو آخر في آسيا لأنها الواجهة التي تستخدمها حكوماتها لكسب التعاطف في الغرب عند الحاجة.

فإذا كانت بعض الشعوب في هذه القارات مغلوبة على أمرها فأين هي الدول العظمى من أوضاعها، وأين هم دعاة الاصلاح والديمقراطية في هذه الدول؟ أم أنهم رأوا أن القضاء على الفقر والجوع والجهل والتخلف والبطالة والفساد في هذه القارات لا يناسب مكانتهم أو برستيجهم؟ وان الحرية والرفاهية مقتصرة عليهم وحيكت على مقاسهم، ولا تناسب غيرهم؟

أم أن سيطرة الفئة الحاكمة في تلك الدول على الأموال العامة وحتى على المساعدات الخارجية في أغلب الأوقات تخدم سياستهم، حيث إن اغلب الحكومات الافريقية وبعض الحكومات في آسيا وأميركا الجنوبية يضرب بها المثل في نهب ثروات الشعوب وإيداعها في البنوك الأوروبية والأميركية، وليس هذا التصرف بغريب عن بعض دول آسيا والشرق والأوسط.

لكن لكي لا نحمل اخفاقاتنا ومآسينا وتردي أوضاعنا إلى الغير كعادتنا نقول ما الذي تم فعله في الصومال والسودان؟ فمنذ عشرات السنين ونحن نسمع أن الأراضي الزراعية في السودان يمكنها أن تسد حاجة كل الدول العربية إذا أحسن استغلالها، والغريب أنها لا تسد حاجة السودان نفسه.

حيث إن بعض المناطق تشكو من الجوع وسوء التغذية، حتى وان ذلك نتيجة أسباب سياسية كما هو الحال في الصومال، فإذا كانت الدول العربية والإسلامية لم تعد قادرة على مساعدة المحتاجين من المسلمين أو أن ازدياد آفة الفقر والجوع يفوق قدراتها، فما عليها إلا أن تفرض الزكاة على أغنياء المسلمين التي لو دفعت لأشبعت فقراء العالم وليس فقراء المسلمين فحسب، أم أن الطلب يحتاج إلى أمر أو تدخل خارجي؟

إن الأوضاع المتردية في هذه القارات سببها تغييب الحريات وعدم محاسبة ومراقبة الحكومات التي من المفروض أنها ممثلة للشعوب وانتخبت من قبلهم لترعى مصالحهم، وتحسن من أوضاعهم، مما أعطى سبباً للغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة للتدخل من أجل فرض الاصلاح والديمقراطية فقط في الدول التي تريد الاستفادة من ثرواتها لأنها في نظرها أكبر وأخطر من أن تبقى في أيادي فئة محددة وإن كانت هذه الفئة خاضعة لهم ولا تتحرك إلا بأوامرهم، وعندما يقررون ويشعرون بتهديد مصالحهم، يكشفون عن فسادها ونهبها للمال العام لكي يحولوا الغضب العام تجاه سياستهم إلى غضب الشعوب تجاه حكامهم.

كاتب إماراتي