لقد حاولت جاهداً توصيف المشاعر التي اختلجت أعماق صدري وأنا أرى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي يستعرض أمام كوكبة من رجالات الدولة والأعمال والإعلام ملامح خطة دبي الاستراتيجية للسنوات العشر المقبلة والتي أقل ما يمكن ان يقال فيها أنها تتحدى المستقبل، فما استطعت.

فعلى مدى الساعة ونصف الساعة التي أصغينا فيها لصاحب السمّو وهو يقوم ويقعد ويقرأ ويرتجل ويملأ المنصة رواحاً ومجيئاً والقاعة حبوراً وتصفيقاً، لم يبق شعور إلا واعتراني وما بقيت صورة إلا وراودت أذهاني. ففي لحظة من اللحظات شعرت وكأنني في حضرة أستاذ جامعي يلقي على طلابه محاضرة في علم الاقتصاد، وفجأة تحوّلت المحاضرة الى علم الاجتماع، ثم رأيتني أنصت بشغف إلى أديب يتكلّم بلغة أدبية خالصة، ثم شعرت وكأنني في مسجد أصغي إلى خطبة الجمعة التي تحث على التعلّق بأهداب الدّين والثبات على مكارم الأخلاق.

وفي لحظة أخرى تخيّلتني واقفاً أمام قائد عسكري يخرج من كتب التاريخ ليشرح لقادة جيشه استراتيجية المعركة المقبلين عليها ويحثّهم على الثبات فيها حتى النصر أو... النصر! ولكن هذه الصورة بدورها سرعان ما تراجعت لأن ما يتحدّث عنه هذا القائد الماثل أمامي هو حديث مستقبلي في قوله وفكره ورأيه ورؤيته مئة بالمئة.

أعترف أن «محاضرة» صاحب السمو أجهدتني! ففي حين حاول عقلي أن يحيط بجوانبها الاقتصادية والاجتماعية الجامعة، وأن يحلّل الأرقام والأحجام التي تضمّنتها، راحت الأفكار المتلاحقة التي راودتني تشوّش على إصغائي لكلام صاحب السمو الشيخ محمد ولشرحه السهل الممتنع.

كما أعترف بأنني تركت حبل أحاسيسي ومشاعري على غاربه، وأفلتّ أفكاري من عقالها، ذلك أنني كنت أمام أحد خيارين: إما أن أحبس مشاعري وأسلّم الدفّة للغة العقل والمنطق والفهم، وإما أن أعيش اللحظة التي لن تتكرر واستسلم للأحاسيس التي تملّكتني، وفي هذا اخترت الخيار الثاني، فقد قلت في قرارة نفسي: إن خطّة بهذا الحجم وهذا الجهد وهذه الرؤية المستقبلية، لابدّ من قراءتها والتبحّر فيها مرةً ومثنى وثلاث.

ومثل هذا التبحّر والتحليل متيسّر في صحف الصباح، وأمامك النهار بطوله للقيام به، لا بل إن هذه الخطّة ستشغل أهل المعرفة والاختصاص في الإمارة والدولة لسنوات وسنوات، أما التفاعل مع كلام صاحب السمو واختبار المشاعر التي يولّدها والأحاسيس التي يخلقها، فهذا ما لا يمكن لأية صحيفة أو وسيلة إعلام أن تعوّضه عليّ كما فعلت صحف صباح اليوم التالي التي قرأت فيها الخطة مراراً وتكراراً حتى كدت أحفظها غيباً.

من بين الأحاسيس التي راودتني لدى إنصاتي إلى كلام صاحب السمو ذلك الإحساس الجميل بالفخر، الفخر بأنني مواطن إماراتي، وبأنني ابن دبي وبأن هذا الذي يصغي إلى كلامه رجال الأعمال والتنفيذيون والصحافيون الأجانب بدهشة وإعجاب هو نائب رئيس دولتنا ورئيس حكومتنا وحاكم إمارتنا، وهو قائدنا الذي به نفتخر وإياه نحترم ونجلّ.

وكم كان فرحي عظيماً عندما رصدت في الأيام التالية ردود فعل أبناء الإمارة، الذين منحوني ثقتهم الغالية لتمثيلهم في المجلس الوطني، وهم يشاركونني شعوري هذا لا بل ويفيضون سعادة وحبوراً بجرعات الفخر والاعتزاز بدولتهم وإمارتهم ومواطنيتهم التي حقنها في عروقهم كلام صاحب السمو، فما من مواطن التقيته إلا وكان لسان حاله أنا إماراتي، إذاً أنا موجود... في المستقبل.

وكيف لا يسع أبناء دبي ان يفرحوا وهم يرون إمارتهم تتحوّل إلى المدينة العالمية الأولى بامتياز؟ كيف لا يسعهم أن يفرحوا وهم يرون قائدهم يفتح كتب التاريخ ليسترجع منها أمجاد بغداد والأندلس ودمشق، ويعدهم بأن مدينتهم ستتبوأ في المستقبل المكانة التي تبوأتها هذه المدن العربية العظيمة في التاريخ؟ كيف لا يسعهم أن يفرحوا وهم يسمعون القائد يعد ـ وهو الذي ما وعد إلاّ ووفى ـ بأن معدلات النمو الاقتصادي للإمارة لن تنزل عن عتبة 11% سنوياً وبأن الناتج المحلي الإجمالي في العام 2015 سيبلغ 108 مليارات دولار .

وأن معدل حصة الفرد من هذا الناتج سيصل إلى 44 ألف دولار؟إنها بلا شك أرقام ضخمة، ولقد قال لي أحد الصحافيين الأوروبيين إنه كان ليصفها بالأرقام الفلكية المستحيلة التحقّق لو لم تصدر عن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولو لم تتجاوز دبي في خمس سنوات أهداف خطتها العشرية الحالية بأشواط، فعلى ما قال لي هذا الصحافي: «في حضرة لغة الأرقام لا يسعك سوى الإنصات».

وحين استوضحته ما يعنيه بكلامه قال: أنظر إلى الأرقام الواردة في اللافتة التي علّقت في المؤتمر: عام 2000 تضمنت الخطط الوصول بالناتج المحلي الإجمالي سنة 2010 إلى 30 مليار دولار. في سنة 2005 تجاوزت دبي هذا الرقم وبلغ الناتج 37 مليار دولار، عام 2000 تضمنت الخطط الوصول بالناتج المحلي الإجمالي للفرد سنة 2010 إلى 23 ألف دولار. وفي سنة 2005 وصل معدل الدخل الفردي إلى 31 ألف دولار!

بالإضافة إلى لغة الأرقام التي ميّزت كلام صاحب السمو، حيث لم يقل قولاً إلاّ وأقرنه برقم، فإن المميّز كذلك كان اعتماده على التسلسل المنطقي في العرض والشرح والإفهام، ومن دلائل هذا المنطق أنّه لم يتعرّض إلى واقعة إلا وأسندها بالبرهان الساطع ولم يذكر حادثةً إلا وأقرنها بدليل دامغ!

وكم كان بليغاً في كلامه ـ السهل بالنسبة إليه والممتنع على سواه ـ وكم كان غنياً في استشهاده بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة! ولعل من لم يقرأ كتاب صاحب السمو «رؤيتي ... التحدّيات في سباق التميّز»، لم يفقه أن ما تحدّث به صاحب السمو بالأمس إنما جاء في إطار رؤية صاحب السمو وروحيته التي جسّدها أبلغ تجسيد في ذلك الكتاب ـ المرجع.

ألم يقل صاحب السمو في كتابه ـ رؤيته إن «المستقبل هو شباب هذا الوطن، إنهم رافعو رايته وبناة اقتصاده وعماد مقوماته، وهم الذين سيواجهون تلك التحديات على أرض الواقع وسيتوصلون إلى المعادلة التي تضمن استمرار التنمية والبناء والاستقرار لهم ولأجيالهم من بعدهم»؟ فما تراه كان محور الاستراتيجية الجديدة ككل؟ ألم يكن الشباب؟ ألم يذكر صاحب السمو في حديثه عن هذه الاستراتيجية «التعليم» ثلاثاً بدل المرة الواحدة؟

لقد قال صاحب السمو في معرض شرح الاستراتيجية الجديدة إن «خطة دبي برغم امتلاكها لمنطقها الخاص وأهدافها المحددة، فهي تتحرك في فضاء دولة الإمارات العربية المتحدة، وتتكامل مع الخطة الاستراتيجية للدولة التي شارف مجلس الوزراء على انجازها، وفق توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة».

وما هذا القول إلاّ تأكيد على التكامل التام بين الإمارات السبع جمعاء، لأنها في النهاية تعمل وفق نظام الأوعية المتصّلة، فالخير الذي يصيب إحدى الإمارات لابدّ وأن يفيض خيراً على باقي الإمارات، والنهضة التي تعيشها إمارة لابدّ وأن تنهض بسائر الإمارات. ولأن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

فقد أكّد صاحب السمو أن الإنجاز التاريخي الذي حقّقته دبي «من شأنه أن يفيد الدول الشقيقة والصديقة المنتجة للنفط في جهودها لإعادة هيكلة اقتصادها، ووضع هدف تنويع مصادر الدخل موضع التطبيق»، وهذا ما يذكّرني بواقعة سردها صاحب السموّ في كتابه الذي جاء فيه: «سألني أحد الصحافيين ونحن في العشر الأواخر من رمضان، لو منّ الله عليك برؤية ليلة القدر فماذا كنت ستتمنى.

أردت القول، كنت أتمنى أن يعلي ربي القدير شأن الإمارات ويعزّ شعبها ويزيد خيرها، لكني استوقفت نفسي لحظة وفكرت لحظات وقلت: لو أني تمنيت كل هذا وأكثر منه لكل الأمة العربية فهل كنت سأحرم شعبي من أمنيتي وهو الجزء الإماراتي الألصق بالقلب من الكل العربي الذي يعيش فيه؟».

استراتيجية دبي الجديدة لم تترك باباً إلا وطرقته، ولم تتطرق إلى مشكلة إلاّ ووجدت حلاً لها، وأكثر ما لفتني في هذه الاستراتيجية هو ما ذكره صاحب السمو لجهة الانتقال من منهجية «الرعاية الاجتماعية» إلى منهجية «التنمية الاجتماعية»، ففي هذا الانتقال سرّ عظيم هو سرّ الانتقال من طور إلى آخر ومن طريقة حياة إلى أخرى، بل قل إن هذا الانتقال هو خريطة طريق للتطوّر البشري.

وفي هذا التوصيف تلاقٍ مع قول صاحب السمو «إن الخطة التي بين أيديكم ليست وثيقة صمّاء ولا نصوصاً جامدة، إنها أسلوب للتفكير، وأداة للقياس والتقييم، وخريطة تحدد معالم طريقنا إلى المستقبل، وتساعدنا على التوصل إلى الخيارات الصحيحة والاستنتاجات الدقيقة»، «إنها بمثابة بوصلة تحدد الاتجاه ومعالم الطريق التي سنسلكها خلال السنوات المقبلة».

ولم يفت صاحب السمو أن يشرح أن هذه الخطة ليست مجرّد أفكار جمعت من هنا وهناك ولا حتّى مجرّد رؤية رسمها صاحبها في الخيال بل هي «تقف على أرضية صلبة من الإنجازات النوعية، التي تشكل القاعدة القوية للتنمية المستدامة في عصر المعرفة. كما أن هذه الخطة متحررة من التأثيرات المباشرة لتقلبات أسعار النفط، بعد أن نجحنا في تنويع مصادر الدخل، وباتت مساهمة النفط في ناتجنا الإجمالي 3 في المئة فقط».

في معرض حديثه استشهد صاحب السمو بالمثل العربي القائل «إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة»، وأردف قائلاً: «لكننا سنجعل الأرض في دبي تنبت ذهباً وفضة». وأنا شخصيّاً كليّ ثقة بأنّ أمثالاً عربية كثيرة ستتغير، بعون الله تعالى، على يدي صاحب السمو، وفي القريب العاجل إن شاء الله.

وفي الختام لا يسعني إلاّ أن أستشهد بما ذكره صاحب السمو عن رئيس الدولة الراحل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حين قال في الكتاب ـ الرؤية: «الشيخ زايد علّمني قهر المستحيل»، وبالأمس أثبت صاحب السمو أن المستحيل ما عاد مستحيلاً في دبي وأنّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هو... قاهر المستحيل!

عضو المجلس الوطني الاتحادي