لم يأت الغزو والاحتلال الأميركي لنشر الديمقراطية وفرض احترام حقوق الإنسان، إنها كذبة أخرى تضاف إلى سجل حافل بالكذب لإدارة الرئيس بوش في حربه على العراق. الاحتلال الأميركي وما نتج وينتج عنه يشكل خروقاً جسيمة لكافة حقوق الإنسان الأساسية والثانوية والمكتسبة، هذا إلى جانب تعمّده نشر الفوضى الدموية والدمار والإرهاب.

الجيش الأميركي أكثر جيوش العالم حاجة للتواجد خارج أراضي الولايات المتحدة كما أن الشركات الأميركية كعادتها جدّ ظمأى لامتيازات وأسواق عالمية جديدة. الإدارة الأميركية بحاجة ماسة لأرض العراق كنقطة انطلاق لتنفيذ استراتيجيات طائشة خاصة في المنطقة تستغرق زمناً طويلاً لإنجازها. كأي احتلال أو استعمار قديم أو معاصر أو حديث لن يرحل الاحتلال الأنجلو ـ أميركي المباشر عن أرض وشعب العراق إلا بالمقاومة.

المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي أمر طبيعي ومشروع، مثلها مثل مقاومة جهاز مناعة الأجسام الحية للأمراض أو الأوبئة الفتاكة ومقاومة الأشجار للعواصف الهوجاء ومقاومة صخور وتراب الأرض لسيل الماء الجارف. إذا ما تُرك الاحتلال الأجنبي الغاشم لشأنه وهواه سوف يتحول إلى احتلال دائم تعاني منه الأجيال الحالية والقادمة، والأمثلة التاريخية كثيرة.

بعد حوالي ثلاثة عشر عقدا (130 سنة) من الاحتلال الفرنسي للجزائر حاولت فرنسا ضم الجزائر إليها، بمساحتها التي تفوق مساحة فرنسا بأضعاف ويفصلها عنها عرض البحر الأبيض المتوسط. الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين تحوّل إلى صراع على الوجود مع الفلسطينيين حينما امتلك قوة عسكرية واقتصادية كافية للثبات أمام المقاومة الشعبية الفلسطينية العنيدة العريقة.

الاحتلال السوفييتي لأفغانستان كاد أن ينجح في ضم الدولة الأفغانية بأكملها إلى جمهورياته الخمس عشرة، بعد تغيير النظام السياسي الأفغاني، لولا المقاومة الأفغانية العنيدة. هنالك أجزاء كثيرة من العالم لا تزال ترزح تحت نير الاحتلال أو جرى عليها الضم النهائي لأنها لم تتمكن من بناء مقاومة شعبية قادرة على طرد الغزاة المحتلين بالقوة.

لا يضير الإدارة الأميركية بشيء قتل مئات الآلاف من العراقيين من مختلف الأديان والمذاهب والأعراق إذا ما كان ذلك يحفظ للاحتلال الأميركي موطئ قدم دائم في المنطقة. ذلك ربما يفسر ولو جزئياً ظاهرة وفرة المفخخات والعبوات الناسفة «العمياء» وقذائف المدافع العشوائية على رؤوس المدنيين والجثث مجهولة الهوية التي تجتاح المدن العراقية، هذا على المدى القريب. على المدى البعيد وبسبب الأطماع الجيو ـ استراتيجية الأميركية في العراق ونفطه ليس مستبعداً أن تظهر أصوات في الإدارة الأميركية تطالب بإضافة «ولاية» العراق إلى الولايات الأميركية الخمسين، أسوة بولايتي هاواي وألاسكا.

الحكومات العراقية «الفيشية» المتعاقبة التي أُنشئت بعد الاحتلال ظلت حبيسة «المنطقة الخضراء» في بغداد بعد ما يقارب الأربع سنين على بدء الاحتلال. حتى اللحظة لا يستطيع وزير في الحكومة أو نائب في البرلمان العراقي أن يسير في الشارع لمصافحة بعض أنصاره ومؤيديه أو يكشف للجمهور عن مكان عمله ونومه وسكنه والممرات المتغيرة باستمرار التي يسلكها موكبه المحصّن أمنياً.

بسبب الوضع الأمني المأساوي تزدهر في العراق، والمنطقة الآن، ظاهرة الشركات الأمنية التي تضم عشرات الآلاف من المرتزقة بينهم يكثر محترفو القتل بدم بارد؛ يشكل مرتزقة الشركات الأمنية القوة الثانية بعد قوة جيش الاحتلال في العراق. للأسف! يقع على كاهل الشعب العراقي (بالذات المقاومة العراقية) الآن عبء تحرير البلاد من الاحتلال ورموزه ومن شركات المرتزقة باستخدام كافة الوسائل والطرق الممكنة لديه، كلها مشروعة حسب القانون الدولي والعرف الإنساني.

لا يختلف وضع المقاومة العراقية كثيراً عن مثيلاتها عبر التاريخ القريب والبعيد. المقاومة الفيتنامية حققت انتصاراً تاريخياً على الاحتلال الفرنسي ولاحقاً الأميركي بعد تقديم حوالي ثلاثة ملايين إنسان بين قتيل وجريح. المقاومة الفرنسية أحرزت نصراً مؤزراً ضد الاحتلال النازي لفرنسا وحكومة «فيشي» الموالية للاحتلال إبان الحرب العالمية الثانية بعد مقاومة دامت زهاء الخمسة سنوات.

المقاومة الجزائرية قدمت المليون ونصف المليون من الشهداء، معظمهم من المدنيين العزّل، وحققت الانتصار على الاحتلال الفرنسي. المقاومة الأفغانية طردت الاحتلال السوفييتي من أفغانستان حيث سقط لها عشرات الآلاف من الضحايا. المقاومة اللبنانية طردت الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان وقدمت من أجل ذلك المئات بل الآلاف من خيرة شبابها.

المقاومة الفلسطينية لا تزال تقف بشموخ على قدميها حتى بعد ما يقارب القرن من الزمن على «المحرقة» والإبادة المنظمة ضد الوجود الفلسطيني والتآمر الدولي والإقليمي والمحلي المكثف. الأمثلة التاريخية الأخرى عن مقاومة الشعوب كثيرة ومفادها أنه لم تُهزم مقاومة شعب يناضل ضد الاحتلال ورموزه وأعوانه، والمقاومة العراقية ليست استثناءً رغماً عن الصعوبات الجمة التي تواجهها.

من أجل البقاء في العراق أطول فترة ممكنة تحاول الإدارة الأميركية، ومعها الحكومتان البريطانية والعراقية الموالية للاحتلال، تحييد قوة الشعب وقدرته على الاستمرار في تقديم الدعم للمقاومة العراقية. أخذت ظاهرة اللعب على وتر الفتنة الطائفية والتشنيج العرقي وقتاً وجهداً غير عاديين من هذه الأطراف الثلاثة.

يقوم مرتزقة الشركات الأمنية الذين استجلبوا لحماية شخصيات الاحتلال ورموزه، بالتعاون المباشر والضمني مع رموز الطائفية والشوفينية، بفعل كل ما هو قبيح لزرع فتنة أزلية في كل شبر من العراق ـ حتى في المناطق التي تتمتع بصفاء! عرقي أو مذهبي واضح نسبياً.

إلى حد كبير نجح الاحتلال وأدواته وأعوانه في إحداث اقتتال داخلي يفتك بالجبهة الداخلية المعارضة كلياً وأصلاً للاحتلال؛ لكن معظم الدلالات على الأرض تشير إلى أن ذلك لن يدوم طويلاً. مهما كان انتماؤه الطائفي أو المذهبي أو العرقي أو الديني وخلفيته العلمية والتعليمية لا يقبل العراقي ببقاء الاحتلال في بلاده والمنطقة دقائق معدودة إضافية.

في الماضي أحدث الاحتلال النازي لفرنسا تصدعاً في المجتمع والشعب الفرنسي لصالحه لكن ذلك لم يقف عائقاً دائماً في وجه التحرير؛ في البداية وقف حوالي 50% من الشعب الفرنسي إلى جانب حكومة «فيشي» الموالية للاحتلال النازي. الإدارات الأميركية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي قسّمت الشعب الفيتنامي إلى موال ومعاد في الجنوب والشمال، لكن ذلك لم يمكّنها من دحر أو إيقاف المقاومة الفيتنامية. الأمر ذاته حدث عندما حاول ولا يزال يحاول الاحتلال الإسرائيلي تقسيم الشعبين اللبناني والفلسطيني إلى فئات متصارعة أو حتى موالية له من أجل تمرير مخططاته، لكن ذلك يبقى من قبيل أحلام العصافير!

لن يتمكن الاحتلال من البقاء في العراق أياماً معدودة إذا ما وجد شعباً متحداً يقاوم وجوده غير الشرعي في بلاد ليست له. لا يمكن إلحاق هزيمة عسكرية أو مادية أو معنوية أو حتى نفسية بشعب مقاوِم للاحتلال الأجنبي الدخيل. لا يوجد في العالم الآن ما هو أقوى وأكثر ذكاءً!

من العتاد الأميركي المستعمل في العراق، لكن خسائر الاحتلال الأميركي المادية والمعنوية والبشرية تفوق كل التوقعات. بصمودها الطويل وبسالتها النادرة قلبت المقاومة العراقية توقعات المراقبين والخبراء العسكريين والسياسيين في العالم الذين توقعوا أن يكون احتلال العراق «برداً وسلاماً» على المحتل وأعوانه بعد استقبال شعبي لهم بالورود والزهور!

تستصرخ أنهار الدم الجارية في العراق كافة العراقيين أن يتوحدوا للتخلص من الاحتلال وفيما بعد من التركة الثقيلة التي سيخلفها بعد زواله. في ذلك بات على غلاة التطرف العرقي والمذهبي أن يعودوا إلى أوكارهم وأن يوقفوا استغلال عقول الدهماء لضمهم إلى ميليشياتهم الطائفية الموسومة بالإجرام الجماعي الأعمى.

التجربة القاسية التي مر ويمر بها شعب العراق تثبت لكافة البشر أن ليس لدى الطائفيين دين أو وعي عام أو ضمير إنساني؛ لا ضير لدى الطائفي أن يستخدم رؤيته وتفاسيره البتراء للدين الحنيف ليسوق أتباعه قرابين على مذبح الحفاظ على كرسيه ومقامه »المقدس»!. بسبب الطائفية الدينية والمذهبية وحتى السياسية المقيتة تمكن الاحتلال من زرع الفتنة بين كل مسجدين وحسينيتين، وكنيسة ومسجد، ومسجد وحسينية، وبين كل مكتبين حزبيين سياسيين؛ بات اللجوء لطلب مساعدة الاحتلال أمراً عادياً لدى مختلف قادة فئات الشعب العراقي الواحد.

من أجل طرد الاحتلال تأتي أهمية إنشاء جبهة وطنية عريضة وموحدة مقاوِمة تشمل كافة أطياف الشعب العراقي تمثلها حكومة وحدة وطنية حقيقية لإنقاذ العراق وشعبه مما آلا إليه.

جامعة الإمارات