العنف المنفلت من كل عقال، في العراق، يأخذ انعطافة نوعية نحو الأسوأ والأخطر، ما عاد يكتفي على ما يبدو بالأفراد والجماعات كوقود لناره. مدّد ألسنة لهيبه نحو قطاعات ومدن معينة لقتلها على الهوية أيضاً، واختار في قفزته هذه أهدافاً يتجاوز استهدافها واغتيالها، أبعاده الآنية المباشرة؛ ليطول مقومات البلد الأساسية وأركان سلمه الأهلي، فتصويبه على الحرم الجامعي كما على مدن يرتبط وجودها باستمرار التعددية في المجتمع العراقي يحمل إشارات تنذر بعواقب مدمرة؛ لو نجح واستعصى على وقفه قبل فوات الأوان.
التفجير الذي وقع داخل جامعة المستنصرية في بغداد والذي ذهب ضحيته 45 قتيلاً من الطلاب والطالبات الذين «التصقت أشلاء بعضهم بجدران الكلية»؛ هو تحول بالغ الدلالة من حيث خطورته والرسائل التي ينطوي عليها، طبعاً ليس لأن الطلبة أعز من بقية المواطنين، ولكن لأن الجامعة تشكل عصب وشريان حياة للمجتمع، كذلك هي الحال في المناطق والمدن التي تتعرض إلى أشكال من التطهير والنزوح؛ بغرض ضرب الاختلاط، الذي يشكل اللحمة الرئيسية الضامنة لوحدة العراق.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها القطاع الجامعي والعلمي لعمليات الاغتيال؛ على أنواعه. وخلال السنوات الأربع الماضية، حصد العنف الهادف أكثر من 250 أستاذاً وعالماً عراقياً، أجبر أكثر من ثلاثة آلاف جامعي على الهجرة من العراق، والآن تتجه جرافة القتل، في هذا الميدان، إلى الطلاب.
استمرار النزف هذا محكوم بتفريغ الجامعات من طاقاتها؛ وبالتالي حرمان البلد من عنصر جوهري، لا غنى عنه لبقائه ونهوضه، خاصة وان هذا القطاع هدف مدني سهل. مجرد الترويع من خلال تفجير أو أكثر، كفيل بفرطه، وهو المزعزع أصلاً وبالكاد قادر على الوقوف ولا يحتمل عمليات الانقضاض بمثل هذه الدموية والشراسة ضربه بهذه القوة موجه إلى البقية الباقية من المؤسسات المدنية التي عاندت وأصرت على الاستمرار؛ بقدر ما هو موجه لتأجيج التوتر المذهبي.
كما هو في هذا الوقت بالذات إلى جانب عمليات الفرز والتهجير، يشكل التحدي الأكبر للحملة الأمنية الجارية، والخشية أن هذه الأخيرة تبدو وكأنها تشكو من التعثر؛ على الرغم أنها لا تزال في بداياتها، ويعزى ذلك في الأغلب إلى غياب العامل السياسي، الذي لابد من الاستناد إليه لتسهيل المهمة الأمنية.
والذي يتعذر توفره من دون إقامة الصلح الوطني والأهلي، وما شهدته مدينة الزبير الجنوبية، يقدم الدليل بقدر ما يصلح للاقتداء به فبعد عمليات قتل وترويع تعرضت لها هذه المدينة المختلطة؛ تنادى أهلها إلى عقد مؤتمر شعبي حضره كبار رجال الدين وممثلو المرجعيات المذهبية كافة؛ وصدر عنه بيان بالإجماع يدعو إلى الهدوء مع استنكار العنف الطائفي، كما دعوا إلى عودة النازحين وإعلان البراءة من القائمين بشتى الأعمال الإرهابية في مدينتهم.
مؤتمر الزبير بحاجة إلى تعميمه على المدن العراقية كافة. على أن يتكلل بمؤتمر مصالحة عامة، طال انتظارها وإلا فإن اقتحام الجامعات ومواصلة الفرز المذهبي هنا وهناك، ليسا سوى الإنذار الأخير بالطوفان إذا ما بقيت غيومه الداكنة تتجمع سريعاً في السماء العراقية.