الاحداث الدامية التي شهدها قطاع غزة ليلة امس الاول وصباح امس اعادت الى الاذهان مشاهد الاقتتال الداخلي بين حركتي »فتح« و»حماس« التي سبقت اتفاق مكة المكرمة وهي مشاهد اعتقد ابناء الشعب الفلسطيني ان الحركتين وضعتا حدا نهائيا لها واسدلت الستار على ظاهرة سجلت عارا في تاريخ النضال الفلسطيني وتشويها مرفوضا لصورة الفلسطيني التي اعتاد العالم عليها مشرقة حضارية ، فاذا بها تتحول بين عشية وضحاها الى صورة من العنف بين الاخوة ابناء الوطن الواحد الذي ما يزال يرزح تحت نير الاحتلال المباشر او غير المباشر.
وليس من شك في ان اتفاق مكة لم يرق ولم يعجب العديد من الاطراف الخارجية التي كانت تراهن على حسم الصراع لصالح احدى الحركتين المتقاتلتين وتبني مخططاتها على هذا الاساس، وهذه الحقيقة اتضحت من خلال مواقف القوى الاجنبية التي لم تر في الاتفاق ما يكفي لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني فواصلت الطرح الحرفي لشروطها التعجيزية وغير القانونية مرددة شعارات يبدو فيها التصلب وتفتقر الى المرونة ومراعاة الواقع الفلسطيني المهدد في كل لحظة بتجدد الاقتتال والاستقطاب العشائري والفصائلي بكل عواقبه ومخاطره ومآسيه.
وما وقع من اشتباكات في غزة يثبت ان هناك اطرافا فلسطينية لها تحفظات وربما اعتراض على اتفاق مكة وقد تتناقض مصالح هذه الاطراف مع التهدئة والوفاق بين حركتي »فتح« و»حماس« فالمصالحة واسكات البنادق لا تروق لاطراف اعتادت استخدام السلاح لغايات بعيدة عن الاهداف الوطنية الفلسطينية وفرضت نفوذها وهيمنتها على الشارع بحيث يصعب او يستحيل تطبيع الاوضاع واسترجاع هيبة القانون واحترام النظام.
ولعل الظاهرة السائدة في فلسطين والعالم العربي هو انتماء الفرد الى العائلة والحمولة او العشيرة والقبيلة الذي يسبق او يتقدم على انتمائه للوطن وهنا مكمن الخطورة، فالشعوب المتجانسة وصلت الى مرحلة الانتماء الكامل او المطلق للوطن والامة، اما في بلادنا وسائر الاقطار العربية فان العشائرية اقترنت مع الحزبية او الفصائلية وبدلا من ان يكون هناك تنافس بين احزاب او فصائل لا تأخذ الظاهرة العشائرية بعين الاعتبار فان التنافس واحيانا الاقتتال يتم على اساس عشائري - فصائلي مما يجعل انهاءه صعبا او مستحيلا استنادا الى الاعراف العشائرية السائدة لا سيما مبدأ الاخذ بالثأر وهو مبدأ مرفوض في كل الدول التي تطبق القانون ويدرك مواطنوها ان حقوقهم مصونة وان من يقترف ذنبا او جرما سيعاقب امام عدالة يتساوى المواطنون جميعا امامها في الحقوق والواجبات والمقاضاة.
واذا كان الاقتتال الفصائلي مدانا ووصمة عار في تاريخ نضالنا الوطني فان الاقتتال العشائري - الفصائلي يعيدنا الى الوراء مئات السنين ربما الى عهد الجاهلية الاولى التي جاء الاسلام ليضع حدا لمساوئها ويبدأ عصر اندمجت فيه العشائر والقبائل في بوتقة الحضارة العربية الاسلامية الواحدة فأي عودة الى هذه الروح تتنافى مع تراثنا الديني والحضاري وانتمائنا المشترك الى الوطن الواحد والقضية الواحدة لا سيما وان الطريق الفلسطيني نحو التحرر والاستقلال ما يزال شاقا وطويلا ومحفوفا بالمخاطر والتحديات.