عاد الغليان إلى الملف النووي الإيراني. درجة حرارته ارتفعت، هذه المرة؛ إلى نقطة غير مسبوقة. نبرة التهديد تطغى على التخاطب المتبادل بشأنه بين واشنطن وطهران. ساهمت في ذلك استحقاقات وخطوات؛ فضلاً عن أجواء التصعيد السائدة في المنطقة؛ وربما عامل الزمن.
كلها تضافرت، إلى جانب تعثر التوافق على تسوية، لتجعل منه محور الاهتمامات ومصدر قلق إضافي لعموم المنطقة؛ المثقلة أصلاً بالأزمات.واكب ذلك تحركات وتصريحات وأنباء، زادت من المخاوف؛ إذا لا لشيء فعلى الأقل من باب استحضارها لمقدمات حرب العراق عام 2003 والتي يشبه خطابها ومناخاته ما هو متداول اليوم.
نائب الرئيس تشيني يقول، خلال جولته الأسترالية ـ الآسيوية إن استخدام القوة مع إيران «أهون من امتلاك هذه الأخيرة للسلاح النووي». وكانت حاملة طائرات أميركية قد وصلت مؤخراً إلى الخليج؛ أعقبتها أنباء صحيفة «جريدة الدايلي تلغراف» البريطانية، عن أن إسرائيل طلبت من واشنطن السماح لطائراتها بالمرور فوق الأجواء العراقية؛ في طريقها لضرب المنشآت النووية الإيرانية.
ويأتي كل ذلك عشية لقاء الدول الكبرى الست اليوم الاثنين في لندن للتباحث بشأن تشديد العقوبات عبر استصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي في هذا الخصوص؛ على قاعدة أن إيران لم تلتزم بوقف تخصيب اليورانيوم، بمقتضى القرار الدولي الأخير، الذي كان قد أعطاها مهلة شهرين لترجمة هذا المطلب. وكانت طهران قد أكدت، في معرض إصرارها على التخصيب، أن مواصلتها لهذه العملية تندرج في إطار ممارستها لواحد من حقوقها المشروعة. وزير خارجيتها منوشهر متقي جدّد، من جهة ثانية، الدعوة إلى استئناف التفاوض. وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، ينفي وجود خطط لمهاجمة إيران.
بين الدعوات والتأكيدات هذه، التبس المشهد، وزاده التباساً أن الجدل الدائر في واشنطن بين إدارة الرئيس بوش وبين خصوم سياستها في المنطقة ـ بالتحديد في العراق وإيران ـ يوحي بوجود مخاوف أميركية من مواجهته. أو هو يؤشر لهذا الاتجاه. رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، جو بايدن، يحذر البيت الأبيض من الإقدام على أي عمل تجاه إيران قبل أخذ موافقة الكونغرس.
وهكذا حذر آخرون من مجلسي الشيوخ والنواب. مسؤولون سابقون، مثل المرشح الرئاسي الديمقراطي، بيل ريتشردسون، يطالب الرئيس بفتح حوار مباشر مع إيران حول الملف النووي. وكانت لجنة بيكر الشهيرة قد أوصت بفتح مثل هذا الباب مع طهران، حول الوضع العراقي.
جهات أميركية أخرى، كانت قد دعت إلى مثل هذا التوجه. خاصة بعد أن أدى التفاوض مع كوريا الشمالية إلى العثور على صيغة لتسوية ملفها النووي. تمسك الرئيس بوش برفض الحوار المباشر مع إيران، يلقى اعتراضات أميركية، ناهيك عن الدولية، متزايدة. لا خسارة في سلوك هذا الطريق الذي أعطى ثمرته في قضايا شائكة وصعبة، في الآونة الأخيرة منها القضية الكورية واتفاق مكة.
البحث عن حل سلمي للنووي الإيراني يخدم الجميع. يكفي واشنطن ما هي عليه في العراق. ويكفي المنطقة ما هي فيه من التهابات. والمؤكد أن الخيار الدبلوماسي يحظى بتأييد الغالبية الساحقة في أميركا وإيران والشرق الأوسط.