للمشهد المسيطر في العلاقات الدولية منذ انهيار المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينات القرن الماضي ملامح وعلامات فارقة لا لبس فيها ولا غموض حولها من الناحية العملية الملموسة تتناولها كافة وسائل الإعلام صباح مساء من ناحية الوصف والشكل الخارجي، لكن الفضول العلمي يجنح باتجاه محاولة التعرف على كيفية التعاطي مع ذلك المشهد على مدرجات الجامعات والأروقة الأكاديمية والبحثية حول العالم وكيف يتم تعريفه من الناحية النظرية وهل تتمتع هذه الأوساط العلمية بما يكفي من الحنكة والجرأة والخبرة اللازمة جدا في محاولة سبر أغوار الخفايا والأسس القائمة عليها العلاقات بين دول العالم في ظل هيمنة القطب الأوحد.

تعرف العلاقات الدولية عادة على أنها منظومة تجمع بين دولتين أو أكثر على أساس مبدأ الندية والاحترام المتبادل ومراعاة المصالح المشتركة، حتى قيل إنه ليس في تلك المنظومة من العلاقات لا مواقف دائمة ولا توجهات ثابتة، فهي محكومة على الدوام بحراك المصالح الذي لا يهدأ والذي يمر في الوقت الحالي في مأزق أخلاقي لا يلقى أدنى اهتمام لدى الكثير من الأوساط العلمية والأكاديمية والبحثية علاوة على السياسية طبعا.

هذا المأزق يتأتى من العمى الأخلاقي المسيطر على معظم استراتيجيات وتحركات مختلف دول العالم، التي باتت منغمسة حتى النخاع في ذلك الحراك مدفوعة بمصالح ضيقة لا تعير بالغ اهتمام لما يمكن أن تحدثه هذه المصالح من انعكاسات سلبية على طرف أو أطراف أخرى في منظومة العلاقات الدولية أو على البيئة المحيطة التي تجري على مدارجها فصول ذلك المشهد أو على أي فرد من أفراد المجتمعات التي تمثلها تلك الدول.

ذلك العمى الأخلاقي حجب الرؤية لدى الكثيرين عن حقيقة ما يجري أو حال دون رؤية الأمور من منظور شمولي بعيدا عن دهاليز التفاصيل المضللة. فعلى الرغم من التبدلات الجوهرية في منظومة العلاقات الدولية خلال العقدين أو الثلاثة الأخيرة، إلا أن تلك الأوساط لا تزال تصر على تعريفات باتت مهجورة بعد أن أكل عليها الدهر وشرب، فما عادت مقولات من نوع احترام سيادة البلدان أو مراعاة المصالح المشتركة أو عدم الاعتداء تمثل شيئا يذكر في إطار خارطة العلاقات التي تجمع بين دول العالم في الوقت الحالي.

وهنا تبرز ضرورة ألا تقتصر رؤية طبيعة منظومة العلاقات الدولية الحالية من زاوية عملية وحسب، بل لا بد من الولوج إلى عمقها وهدم كل منطلقاتها النظرية السابقة والبناء على أساس ما استجد من أمور وصولا إلى إيجاد حالة من الانسجام بين ما هو نظري وما هو عملي بهدف قطع الطريق على محاولات التضليل المستميتة التي تكتسح العالم في اتجاهاته الأربع والتي ترمي إلى إفهام الناس وكأن الدنيا لا تزال بخير والدول تحترم سيادة بعضها بعضا وتبادل المصالح يقوم على تكافؤ الفرص إلى آخر المقولات الخادعة التي يحاول البعض من خلالها تمرير مصالح ضيقة لا تخص سوى حفنة من مصاصي دماء الناس على مستوى العالم.

واللافت في الأوساط الأكاديمية على وجه الخصوص هو أنه ليس كل ما ينتج على هذا الصعيد غث لا قيمة له، بل فيه السمين الذي بمقدوره إلقاء ولو بعض الضوء على أسرار شبكة العلاقات الدولية في الزمن الحالي، لكن أصحاب هذا المنتج الصحي وأفكارهم محاربون حتى بلقمة عيشهم من قبل مراكز الاحتكار وصنع القرار في العالم وقلما يرى نتاجهم النور على نطاق واسع، وذلك في مشهد يذكرنا بما كان يقال عن ستار حديدي مسدل أمام عيون شعوب المنظومة الاشتراكية المنهارة.

وهناك الكثير من الأسماء الأكاديمية يعتد بها ويؤخذ برأي أصحابها وأطروحاتهم لا تجانب الحقيقة بأي حال من الأحوال وهي إن وضعت في إطارها السليم وسمح لها بدخول معترك حوار واسع النطاق فإنها قادرة على تقديم الكثير من الإجابات الشافية على الكثير من الأسئلة الكبرى التي لطالما أرقت الكثيرين ممن لا تزال لديهم صحوة ضمير، إجابات طال انتظارها مما فتح الطريق واسعا أمام موجات رهيبة من التضليل باتت سمة العصر.

وتخوض معركة ضارية لإعطاء نفسها مزيدا من الوقت للبقاء طافية على سطح بحر المصالح الدنيئة المتلاطمة أمواجه أكثر من أي وقت مضى، في ظل تعذر رؤية الجوانب الأخلاقية في المصالح الدولية، التي ستعود بالضرر حتى على من ينادي بها دون الأخذ في الاعتبار مصالح الآخرين.

تقوم إحدى تلك الأطروحات النظرية، التي لا غنى عنها لفهم أسرار مشهد العلاقات الدولية الحالي، على ركيزة أساسية لا تخفى على أحد وهي ماثلة أمام الجميع، لكنه كثر أولئك الذين يريدون أن يتعاموا عنها ويحاولوا حجبها عن الناس ولو تعددت الأسباب وهي تقول بأن منظومة العلاقات الدولية في جوهرها إنما تقوم في المقام الأول على نظام إمبراطوري معقد أكثر بكثير مما تنعت به عادة إمبراطورية الولايات المتحدة.

فعلى الرغم من أن إمبراطورية الولايات المتحدة، مع شبكتها الواسعة من الاستثمارات المالية والقواعد العسكرية والشركات الكبرى متعددة الجنسيات والدول العميلة، هي أهم عنصر في النظام الامبريالي الكوني، إلا أنها ستكون نظرة تبسيطية للأمور إذا أغفلنا منظومة التراتبية المعقدة والشبكات والدول التابعة والعميلة، التي تدافع عن المنظومة الإمبريالية المعاصرة. وحتى تتاح، في يومنا، إمكانية فهم ماهية الإمبراطورية وماهية الامبريالية، فإنه من الضرورة بمكان معاينة ما أطلق عليه المفكر الأميركي جيمس بيتراس «نظام التراصف الإمبريالي» المعقد والمتغير.

bassil@albayan.ae