ينشر هذا المقال في يوم ذكرى التحرير 26 فبراير 1991، وفي هذه الذكرى لا بد أن نتوقف قليلاً وبعيداً عن شؤون الحياة ومشاغلها اليومية ومتاعب دول الجوار وتعقيدات لبنان ومحنة فلسطين، لكي نقيم العبر التي لا بد أن تظل معنا دائماً مستخرجة من مأساة الغزو.
وبالرغم من مرور أكثر من 16 سنة على الغزو، نظل نردد السؤال الدائم الذي سيبقى مع الأجيال القادمة.. كيف تم غزو الكويت؟ معقول أن بلداً منذ شهد الحياة في منتصف القرن الثامن عشر حتى عام 1990، لم تنزل على أراضيه قوات أجنبية دون موافقة شعبه، يتم غزوه بسهولة من قبل نظام بليد ومقهور ومهزوم.
نرجع ونقول اننا جميعاً نتحمل المسؤولية، كلنا من كبيرنا وصغيرنا، كل شرائح المجتمع أصابها الشلل منذ منتصف يوليو مع نشر نظام صدام مذكرته النارية، لم نتشاور بيننا حول أفضل الوسائل لنزع الفتيل، ونناقش كيفية الحفاظ على استقلال البلد وصون حرية شعبه والدفاع عن سيادته.
كلنا وقفنا في حالة من الشلل وكلنا وضعنا الثقة في الاتصالات الدبلوماسية، والوساطات العربية، ولم تشفع لنا طيبة النوايا والروح المسالمة من منع صدام من إرسال قواته إلى الكويت في عملية نصب واحتيال لم تر الكويت مثلها.
وعلينا أن نستذكر واقع الكويت قبل الغزو..
أولاً: دخلت الكويت الجامعة العربية في عام 1961 بعضوية مشروطة غير مسبوقة، في فرض قيود على الدولة الكويتية تمس سيادتها وأمنها، حيث جاء قرار الجامعة بطلب من الكويت بسحب القوات البريطانية التي جاءت لتدافع عنها بعد ادعاءات قاسم فيها، واستبدالها بقوات عربية رمزية تحمل الردع المعنوي والسياسي، وقبلت الكويت هذه الشروط على أمل أن يتوفر لها من خلال العضوية الرادع المعنوي والسياسي العربي، وانسحبت القوات البريطانية بعد وصول قوات رمزية لم تتعدى الألفين، انسحبت منها القوات المصرية بعد انفصال سوريا عن مصر، وبقيت رمزاً وانتهت مع نهاية نظام قاسم في عام 1963.
ومع الانغماس السياسي والأمني في الحصن العربي، توسعت الكويت في تحمل ما لا تطيق، حيث انفتحت على الجاليات التي استفادت من مناخها السياسي والإعلامي إلى حد أن القرار السياسي الكويتي ارتبط بتموجات القضية الفلسطينية وصارت الكويت عاصمة الإعلام السياسي الفلسطيني.. ومع تكاثر الجاليات، اختفى الهم الكويتي الوطني، وصارت هموم الكويت قضايا فلسطين ولبنان واليمن وحروب العرب وإسرائيل.
ثانياً: هذه الممارسة أدخلت القناعة لدى الكويت، قيادة وشعباً، بأنها توفر الأمن المطلوب وهي الذخيرة التي تمنح الكويت الغطاء المعنوي والسياسي الرادع، ومن شروط هذه الذخيرة العربية الانصهار الكامل بالشأن العربي سياسياً واقتصادياً وأمنياً. واستجابت الكويت لهذه الشروط في الضخ المالي عبر الصناديق وعبر الجاليات.
وعبر المنح والقروض والعطايا والهدايا، والاستثمار الرسمي والشعبي، إلى درجة أن الكويت نجحت في التسلل إلى شبكات الاقتصاد والتجارة في معظم الدول العربية، وتزعمت المساعي في الاجتماعات الرسمية والشعبية بما فيها اجتماعات الجمعيات المهنية من تجار ومحامين ومهندسين، للخروج بقرارات عروبية طموحة ليس لها إمكانيات التنفيذ.
كنت سفيراً للكويت في الأمم المتحدة خلال السبعينات كلها، كانت مشاغلي هي فلسطين، وتدخلات الوفد لفلسطين، وجهود الوفد مسخرة للقضية الفلسطينية التي أخذت من الكويت ما لم تأخذ قضاياه الداخلية.
ثالثاً: صارت الكويت القاعدة التجارية والاستثمارية للمنظمات الفلسطينية، وصارت الموقع الذي تلتقي عليه القيادة الفلسطينية، وصارت الجهود الكويتية تتفاعل مع الخلافات من أجل تجاوزها، ذهبت الكويت إلى اليمن للتوسط وإلى دمشق للإقناع، وإلى القاهرة للتهدئة، وإلى لبنان للدعم، وإلى الأردن للاطمئنان، وإلى المغرب للتحاور، وارتبط اسم الأمير الشيخ صباح الأحمد بالدبلوماسية الكويتية المتحركة، ولم يهدأ طوال الستينات والسبعينات والثمانينات.
ثلاثة عقود سخرها الأمير لقضايا العرب وبالذات قضايا العراق تحت نظام صدام حسين، حيث كان رئيس اللجنة السباعية العربية التي تولاها بسخاء وجند وقته وفكره، لأنه المقبول عالمياً أمام الأسرة العالمية، التي ترى في نظام صدام صناعة خداعية بلطجية.
رابعاً: نتفق على أن الخطأ الذي ارتكبناه في الكويت أن نترك الوطن دون حماية رادعة عسكرية ملموسة، لأننا وضعنا سلامة الوطن في يد العرب اعتماداً على قيود الرادع الأخلاقي.
ويمكن أن نحدد الدروس التي يجب أن نقرأها يومياً حتى لا ننسى. فالخطر يأتي من الجيران، والخطر الأكبر يأتي من غريزة التوسع الجغرافي العراقي نحو الأراضي الكويتية، وهي غريزة حملها النظام العروبي العنصري سواء الذي احتكر السلطة في العراق خلال حكم البعث، وحتى قبله عندما تسيد النفوذ في بغداد مجموعة القوميين العرب القادمين من العهد العثماني.
ولهذا فالمطلوب من الكويت هو دعم التوجه الفيدرالي العراقي، لكي لا تحتكر السلطة مجموعة البعثيين أو القوميين الشوفينيين الذين يرون تراب الأمة ملكاً للأمة خاصة عندما يكون التراب خليجياً، والذين يريدون شل حرية الحركة السياسة الكويتية لكي لا تتحصن بالتحالف الدولي الذي يوفر آلية الردع.
ويقف وراء هذه النزعة التوسعية تجمعات عربية حزبية لا ترتاح للنظام السياسي الخليجي الذي حافظ على الاستقرار ونجح في إبعاد ثقافة التخريب من منطقته.أتذكر أن أحد المذيعين سألني في برنامج «زيارة خاصة» عن شرعية القوات الأميركية في الخليج، فكان ردي بأنها تنال إجماع أهل الخليج مع إدراك بقيمتها كقوة تحافظ على توازن القوى وتشكل آلية ردع مؤثرة.
ولابد أن تسعى الكويت مع دول مجلس التعاون ومع كل من مصر والأردن في إقليم الشرق الأوسط لتوسيع دائرة الاعتدال ودعم حكومة العراق التي تواجه تحديات داخلية وخارجية، فإذا ما تمكن العراق الجديد من الاستقرار وانضم إلى التحالف الخليجي ـ المصري ـ الأردني، فبدون شك ستتآكل بقايا النزعة التوسعية وبقايا الأحزاب المشاكسة، وسيضيق الخناق على حركات التطرف التي تعيش على الأزمات والفوضى.
لابد أن نعترف بأن الخطر ليس من المؤامرات الأميركية وخطط الامبريالية، وإنما من التجمعات الأيديولوجية، سواء الإسلامية أو العروبية التي تريد للنظام الخليجي أن يهتز، لأن سلامة هذا النظام وقوته هي العمود الفقري للاستقرار في الشرق الأوسط ولازدهاره ومسيرة تنميته.
دروس الغزو كثيرة، وأبرز ما فيها الابتعاد عن الأوهام والتمسك بالالتزام بالتحالفات الدولية التي هي القاعدة الجوهرية للأمن والاستقرار في المنطقة بما فيها سلامة وحرية الكويت، ولا عودة لأيام الأحلام والأوهام.
كاتب كويتي
Abdullah_bishara@yahoo.com