وضع إعلان رئيس الوزراء توني بلير خفض القوات البريطانية في العراق، الرئيس الأميركي جورج بوش في موقف لا يحسد عليه، فها هو حليفه الاقرب يرضخ تحت الضغط السياسي والشعبي، إلى اطلاق ساق قواته للريح قبل ان تأتي العاصفة الكبرى، وبعد ان عرت السنوات الأربع من بدء غزو ارض الرافدين، الأكاذيب والحجج الواهية التي كانت وراء خوض غمار حرب دمرت بلد واعادة شعبه إلى مجاهل القرون الوسطى.

كابر بلير، وانحاز إلى بوش، وكان في بعض الاوقات يزايد عليه في اسباب خوض الحرب والجميع يتذكر كلماته عن قدرات العراق الكيماوية، وضرورة التدخل، لمنع صدام حسين من تهديد امن الغرب والعالم، واليوم يعترف رئيس الوزراء البريطاني ان العراق يواجه كارثة حقيقية، كان الاحتلال الانجلواميركي، وراء تفجيرها.

ورغم ان بلير راوغ في وضع جدول زمني لرحيل جنوده من العراق والاكتفاء باعلان تخفيض تدريجي للقوات، فان الخطوة كان لها وقع الصاعقة على الحليف الأميركي الذي تصدعت جبهته وفر اغلب اركانها وآخرهم الدنمارك التي قررت الرحيل النهائي في أغسطس المقبل، وان حاول التخفيف عبر وزير خارجيته كوندوليزا رايس بان التحالف الذي خاض الحرب من دون اي غطاء شرعي «لايزال متماسكا».

واذا كان الامر على هذا النحو لماذا سارع نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني الذي يتفاخر بالخوذة الحربية، إلى دعوة الحلفاء إلى عدم التخلي عن اميركا في العراق في نداء بائس من أجل لم الشمل واستجماع القوى .

بل ان تشيني وجد نفسه في خضم حرب كلامية صاخبة مع الخصوم الديمقراطيين في الكونغرس الذين طعن في وطنيتهم واتهمهم بالاصطفاف مع استراتيجية تنظيم القاعدة اذا واصلوا معارضة زيادة القوات في العراق.

الديقراطيون الذين استنفروا ضد تصريحات تشيني، أكدوا مجددا نيتهم عرقلة إرسال المزيد من القوات الأميركية إلى العراق، وبعد ان اعطت خطوة الحليف البريطاني برحيل 1600 من جنوده خلال الشهور المقبلة، دفعة قوية لمضي الديمقراطيين قدما في حربهم الشعواء على استراتيجية بوش في العراق.

لقد تجاهل بوش حقيقة هزيمة حزبه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الذي باتت الغالبية الديمقراطية تحكم قبضتها على قراره، كما تجاهل من قبل تقرير لجنة بيكر ـ هاملتون، التي طالبته بخفض القوات الاميركية في العراق لا زيادتها، ودعته إلى بدء حوار مع سوريا وايران لتأمين الاستقرار في العراق، لكن ادارته اختارت التصعيد على الجبهة الإيرانية، فهل سيتمكن من مواصلة سياسة الاستخفاف بقوة الآخرين، والعمل عكس إرادة المشرعين والشارع الأميركي الذي اظهر عبر العديد من استطلاعات الرأي رفضه لسياسات حكومته؟!

أضاع بوش العديد من الفرص لحفظ ماء وجه مهمته الفاشلة في العراق، ولايزال يعاند الواقع الذي يقول ان الاحتلال تحت ذرائع ثبت كذبها، كان وراء «اسوأ كارثة في السياسة الخارجية الأميركية» بتعبير وزيرة الخارجية الاميركية السابقة مادلين اولبرايت، والتي قالت ايضا ان بوش «قد أضاع المكانة الأخلاقية التي بناها الرئيس الاسبق جيمي كارتر عندما اتبع سياسة خارجية تبنت الدفاع عن حقوق الإنسان كهدف مركزي».

ورطت السياسة الاميركية في عهد الإدارة الجمهورية ، الأميركيين في مستنقع لا أخلاقي، ، ففي الداخل العراقي كانت فضيحة سجن ابو غريب خير شاهد على اخلاق من جاءوا محررين فاذا بهم يمارسون احط الافعال بحق السجناء العزل، وفي خارج رقعة بلاد الرافدين، كانت فضائح سجون وكالة الاستخبارات الأميركية ( سي اي ايه) الطائرة، واستغفال الحلفاء الأوروبيين واستغلال اراضيهم في خطف ونقل سجناء فيما تسميه الإدارة الأميركية الحرب على الإرهاب، ناهيك عن الاحتجاجات الدولية على الوضع المزري لسجناء معتقل غوانتانامو.

ورغم كل ذلك لا احد يتوقع ان تتراجع الإدارة الأميركية الحالية عن سياسات يبدو انها ادمنت عليها، فقد جاءت إلى العراق تسبقها المصالح ولن يثنيها عن « البقاء على المسار» فرار كل الحلفاء الذين جمعهم شعار من «ليس معي فهو ضدي».