القمة الثلاثية الإسرائيلية الفلسطينية الأميركية أو النصف قمة باعتبار أن واشنطن مثلتها وزيرة خارجيتها، وصفها كثيرون بأنها قمة علاقات عامة أو قمة اليأس أو خيبة الأمل أو انهيار التوقعات ولو أن كوندوليسا رايس اعتبرتها بمثابة لقاء استكشافي ستتبعه لقاءات أخرى وقمة «كاملة» في واشنطن وصدرت إيحاءات بأن هنالك قنوات خلفية سيجري تحريكها.

أيا كانت المحاولات للإيحاء بأن القمة كرست إعادة التحرك والبحث بغية إيجاد «الأفق السياسي» وهو تعبير تكرر كثيرا مؤخرا على لسان وزيرة الخارجية الأميركية إرضاءً للفلسطينيين وتشجيعا للعرب إلا أن القمة في حقيقة الأمر لم تكن إلا تأكيدا ساطعا لعدم وجود حركة فعلية ذات مصداقية تندرج في إعادة تحريك عملية المفاوضات.

رئيس وزراء إسرائيل أطلق عدة لاءات قبل القمة لم تكن جديدة إنما أراد التأكيد عليها وهي رفض المفاوضات حول مسائل الوضع النهائي ورفض البحث في موضوع القدس ورفض الاعتراف بالحكومة التي ستتشكل عن اتفاق مكة الفلسطيني.

أولمرت الضعيف جدا والتي تقول استطلاعات الرأي في إسرائيل انه في حال حدوث انتخابات تشريعية فان سقوط حزبه كاديما وتهميشه شبه مؤكد لمصلحة الليكود وأولمرت الذي يعاني من صراعات ضمن حزبه ومع حليفه في الحكومة حزب العمل يتجه كل يوم نحو اتخاذ مواقف أكثر يمينية من حيث تشدده في الملف الفلسطيني.

وعلى صعيد واشنطن فالحديث عن إيجاد أفق سياسي لا يعني كما فهم بعض العرب أو تمنوا حدوث ذلك البدء بمحادثات قضايا المرحلة النهائية بموازاة المرحلة الأولى، مرحلة إجراءات بناء الثقة حسب خريطة الطريق. واشنطن في نافذة الستة أشهر الباقية قبل بدء السنة الانتخابية الرئاسية مازالت على موقفها:

لا تعير التسوية للمسألة الفلسطينية أي أهمية ولا تعتبرها أولوية ضاغطة على الأجندة الأميركية في الشرق الأوسط ولا تعتبر أنها تشكل مصدر تهديد استراتيجي للمصلحة الأميركية لا بل ازداد هذا التهميش لمصلحة مزيد من التركيز على الملف العراقي المشتعل بقوة، وواشنطن بأي حال غير مستعدة لأن تفتح «صندوق العجائب» الفلسطيني الإسرائيلي.

وان تدفع ثمن التسوية وقتا وجهدا وموقفا وتنازلات وتغيير أساسي في مقاربتها الإقليمية في الشرق الأوسط. الموقفان الأميركي والإسرائيلي الواضحان إلا لمن يريد الاستمرار في دبلوماسية الأوهام أعلن سقوط هذه القمة قبل انعقادها.

واشنطن لم تكن مرتاحة أبداً لاتفاق مكة باعتبار انه شكل تسوية تسمح بإعطاء شرعية دولية لحركة حماس عبر الحكومة الائتلافية التي ستشكل في حين انه كان المطلوب الاصطدام مع حماس أو أن تتخلى حماس عن علة وجودها الفكرية والسياسية.

وإسرائيل موقفها معارض ومعاد بشكل واضح لهذا الاتفاق الذي اعتبر بمثابة خيبة أمل من سياسة الرئاسة الفلسطينية رغم أن بعض المراقبين الإسرائيليين اعترفوا بأن اتفاق مكة هو «نصف اعتراف» بإسرائيل من طرف حماس وانه يشكل بداية تغير سياسي أساسي يجب تشجيعه وتعميقه ومواكبته فيما لو كانت هنالك إرادة إسرائيلية واضحة، وهي غائبة بأي حال، باتجاه الإقلاع بقطار السلام.

ويبدو أن الموقف الإسرائيلي ومعه الأميركي المتضامن ضمنا على الأقل يتجه بعد هذا اللقاء الثلاثي نحو إفشال استباقي لحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية المنتظر تشكيلها في الأسابيع الثلاثة أو الخمسة المقبلة. إنها محاولة إما لإفشال هذه الحكومة أو لوضعها أمام حائط مسدود فيما لو تم فلسطينيا تجاوز الحاجز الإسرائيلي الذي جرى التأكيد عليه بوضوح في اللقاء الثلاثي الأخير.

فإسرائيل لم تكن مرتاحة لنجاح مؤتمر مكة من حيث منعه سقوط فلسطين في حرب أهلية وبالتالي منع الفلتان الأمني وبالتالي في العمل على ترتيب البيت الفلسطيني وتحويل الخلافات من الشارع إلى المؤسسات قدر الإمكان وضبطها ضمن ثوابت فلسطينية يجري التأكيد عليها وتفعيلها.

غداة اتفاق مكة مازال موقف واشنطن ومعها الرباعية هو ذاته، ولو هنالك مواقف تتسم ببعض المرونة عند الأعضاء الآخرين في الرباعية دون ان تصل لتغيير الشروط الثلاثة وهي للتذكير الاعتراف بإسرائيل والالتزام بالاتفاقات والقرارات السابقة ذات الصلة، ووقف العنف التي تبقى شروطا أحادية وبمثابة سيف مسلط على الجسم السياسي ومعه الجسم المجتمعي الفلسطيني.

نقول شروطا أحادية لغياب عنصر التبادلية والتوازن في طرح هذه الشروط فلا يطلب من إسرائيل مثلا الاعتراف بحق الفلسطينيين بدولة ضمن حدود ال67 لا بل يذكر أولمرت دائما بأن ترسيم حدود دولة إسرائيل مستقبلا سيتم حسب رسالة الضمانات التي وجهها الرئيس الأميركي إلى رئيس وزراء إسرائيل السابق ارييل شارون في 14 ابريل 2004 .

والتي تشكل سابقة خطيرة من حيث تقول بأن الحل الدائم يجب ان يأخذ بالحسبان التغييرات الديمغرافية في الضفة الغربية لضم الكتل الاستيطانية الكبرى لإسرائيل. كما أن الرباعية لا تطالب إسرائيل باحترام الاتفاقات السابقة والقرارات الدولية وهي التي تنتهكها باستمرار سواء على مستوى الفعل أو على مستوى الخطاب الرسمي إلى جانب أيضاً تغييب مبدأ التبادلية فيما يتعلق بوقف العنف ونبذه.

أمام الولايات المتحدة خيارات ثلاثة: أولا، الاستمرار في مقاطعة الحكومة الجديدة بعد تشكيلها والتعاون فقط مع الرئيس عباس مما يعني الاستمرار في سياسة تربيع الدوائر وعدم الخروج من النفق. ثانيا، قيام تعاون انتقائي مع وزراء مقبولين وذلك لأسباب عملية وإجرائية مع التأكيد على انه تعاون محدود لا يعني أبدا رفع الحظر وسياسة الخنق القائمة ضد الشعب الفلسطيني.

انه بمثابة سيناريو تجميلي لسيناريو التواصل بين مرحلتي ما قبل اتفاق مكة وما بعده. ثالثا، السيناريو المستبعد والقائم على الانفتاح التدريجي على الحكومة عبر سياسة «الجزرة المرحلية» باعتبار ان وزراء حماس جزء من حكومة واحدة ملتزمة بخطاب التكليف ويجري التعامل معها .

كما هو معروف دوليا كطرف سياسي رسمي أياً كانت المواقف العقائدية والسياسية لبعض التيارات الموجودة في الحكومة. وللتذكير فان الموقف الإسرائيلي الأميركي يشكل خروجا عن المألوف في التعامل الدولي في هذا المجال. لكن هذا السيناريو يبقى بعيدا عن الواقعية ولو أن هنالك أصواتا عديدة غربية وبعضها أميركية غير رسمية وإسرائيلية أيضا تطالب به.

دل هذا اللقاء شبه القمة على ان «الملف» الإسرائيلي الفلسطيني رغم الترقبات العديدة نتيجة الحركة الدبلوماسية في الأشهر الأخيرة يخضع أميركيا لاستراتيجية ناشطة وجديدة عنوانها «تثبيت الاستقرار» وهذا هو الجديد مقارنة مع السنوات الأخيرة اذ تهدف هذه الاستراتيجية إلى محاصرة الحريق ومنع انتشاره أفقيا وعموديا بشكل أكثر فعالية وإدارة نزاع ذات وتيرة منخفضة ضمن منطق تقطيع الوقت الباقي في عهد بوش وتهدئة العرب وطمأنتهم.

والاستمرار في التركيز على بغداد وهي استراتيجية تتكرس كل يوم كبديل عن استراتيجية ظن الكثيرون من المتفائلين ان واشنطن ستنتهجها: استراتيجية تغيرية أو تحويلية للوضع القائم نحو ولوج باب التسوية والعودة إلى التركيز بشكل متوازن على الملف الفلسطيني مقابل التركيز على الملف العراقي.

كاتب لبناني