قبل زيارتها المقررة لفلسطين المحتلة والالتقاء برئيس الحكومة الإسرائيلية اولمرت ورئيس السلطة الفلسطينية أبومازن، حرصت وزيرة الخارجية الأميركية على الذهاب إلى بغداد في زيارة لم يعلن عنها مسبقاً وتواكبت مع بدء الخطة الجديدة لقوات الاحتلال والجيش العراقي للسيطرة على بغداد التي استقبلتها بالتفجيرات والسيارات المفخخة لتقول لها ان الحل لا يمكن أن يكون عسكريا فقط.

وإنما الحل المطلوب هو حل سياسي قبل أي شيء، وربما من هنا تكون الزيارة مؤشراً تريد الوزيرة التأكيد من خلاله مرة أخرى على ما اكتشفته الإدارة الأميركية مؤخراً من أن مشاكل المنطقة مترابطة، وأن فلسطين ستبقى هي القضية المركزية التي لن يكون هناك استقرار الا بالوصول إلى حل عادل لها.

لكن هذا المعنى كان لا يتفق مع حقيقة أن الوزيرة قادمة إلى فلسطين المحتلة خالية الوفاض، فهي منذ شهور وبعد أن أصبحت الهزيمة الأميركية في العراق أمراً لا يمكن إخفاؤه، ومع تصاعد الأصوات المطالبة بالانسحاب من العراق، ومع الهزيمة الهائلة لبوش وحزبه في الانتخابات التشريعية. تتحرك من خلال رؤية تعتمد التلويح للعرب بالخطر الإيراني من ناحية، وبأن الهزيمة الأميركية في العراق سوف تنقل «الإرهاب» إلى كل المنطقة العربية من ناحية أخرى.

وذلك بهدف إقامة تحالف يساعد الولايات المتحدة على الخروج «المشرف» من العراق. ولا بأس في الطريق إلى ذلك من تقديم «شيء» للفلسطينيين يحسن صورة الأميركيين لدى الرأي العام العربي، ويعطي المبرر للأنظمة العربية لتقديم المساعدة للخروج الأميركي «المشرف» من العراق، وربما إذا حالف الإدارة الأميركية الحظ واستطاعت الوصول إلى تسوية تبدو معقولة للقضية الفلسطينية لكان في ذلك الإنقاذ للرئيس بوش من مصير مؤكد يدخل فيه التاريخ كواحد من أسوأ من حكموا أميركا ان لم يكن أسوأهم على الإطلاق.

وكان هذا التصور ينطلق من أن الإدارة الأميركية التي أهملت القضية الفلسطينية لست سنوات اكتفت فيها بمنح تأييدها الأعمى وانحيازها المزري لإسرائيل، بينما اعتبرت الشعب الفلسطيني كله شعباً من الإرهابيين الذين يستحقون حرب الإبادة النازية التي تشنها عليهم إسرائيل.. هذه الإدارة تعود الآن لتفتح الملفات المغلقة لتنقذ نفسها قبل أن تنقذ أحداً آخر.

وهي تعتمد في ذلك على أن الرئيس الأميركي قد يكون الآن «بطة عرجاء» بفعل مأزقه في العراق وضعف موقفه أمام كونغرس معاد ورأي عام رافض ولكنه مازال قادراً على استخدام القوة الأميركية مع حكومة إسرائيلية هي بمثابة «البطة الكسيحة» بعد الهزيمة في لبنان والانقسامات الداخلية والفساد والفضائح التي تعصف بالنخبة الحاكمة.

وذلك من أجل جرها إلى مفاوضات قد يجد فيها الجانبان الأميركي والإسرائيلي فرصة مناسبة لفرض الحل المناسب لهما على جانب فلسطيني منقسم لحد القتال الداخلي، ومحاصر لحد المجاعة. وعلى نظام عربي محاط بالأزمات من كل جانب، وفاقد لإرادة الفعل في مواجهة تحديات هائلة داخلياً وإقليمياً وعالمياً.

هكذا كان البعض يرى أن الظروف «ناضجة» لحل تحتاجه أميركا ويحتاجه رئيسها بوش اكثر من غيره. ولكن هاهي وزيرة الخارجية الأميركية تأتي للمنطقة للقاء الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني وهي لا تحمل معها إلا اليقين بفشل الاجتماع قبل أن يبدأ، لأنها لا تحمل جديداً إلا رفض التعامل مع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية من قبل أن تشكل، والتهديد بان أي حكومة تشارك فيها «حماس» سيكون كل أعضائها محل المقاطعة الأميركية.

وبأن الحصار الظالم علي الشعب الفلسطيني سيستمر، وبأن الشروط الأميركية، التي هي في الأصل شروط إسرائيلية ثم أصبحت بعد ذلك شروطاً للرباعية الدولية لابد من تلبيتها كاملة لمجرد أن يتعطف الأميركان والإسرائيليون باستئناف التفاوض حول خارطة الطريق التي ماتت وشبعت موتاً بالتحفظات الإسرائيلية ثم بالمراوغات الأميركية، ليتحول الأمر في النهاية إلى مسرحية لا معنى لها يقف فيها الطرفان الأميركي والإسرائيلي على المسرح وحدهما صارخين منذ سنوات بأنهما لا يجدان شريكاً في عملية السلام، فإذا وجدوه - كما حدث باعترافهم مع أبومازن - صرخوا بأنهم وجدوا الشريك، ولكنهم لا يجدون السلام!!

وهكذا بعد أن عشنا مرحلة كانت فيها المفاوضات (مجرد المفاوضات) تمثل هدفاً في حد ذاته لدى الإدارة الأميركية، أصبح الهدف الآن مجرد الاجتماع والتقاط الصور التذكارية، وتحاول الإدارة الأميركية إخفاء حقيقة موقفها بالتعلل بان سبب التأزم الأخير هو اتفاق مكة، لأنه وفقاً للموقف الإسرائيلي الذي عبرت عنه صحيفة «هآرتز» لا يحقق حلم إسرائيل.

ولو كانت واشنطن جادة في مسعاها للتوصل إلى تسوية حقيقية عادلة للقضية الفلسطينية لكان اتفاق مكة هو الأمر الذي تنتظره لتبدأ هذه المساعي، لان معنى اتفاق مكة أن أي تسوية سيتم التوصل إليها مع حكومة الوحدة الوطنية سيكون من السهل إقرارها وتمريرها فلسطينيا ما دام الفصيلان الأساسيان «فتح» و«حماس» متفقين عليها من خلال حكومة الوحدة الوطنية.

ولكن المشكلة أن واشنطن غير جادة، وأن ما يهمها هو شراء الوقت لها ولإسرائيل، ومن هنا كان طرحها لحكاية «الدولة المؤقتة» حتى تهرب من استحقاقات الحل النهائي. وحتى يكون غاية ما يتم في هذا الإطار هو الانسحاب من بعض أجزاء الضفة الغربية كما حدث من قبل في غزة، لتعلن «الدولة المؤقتة» في هذه الأجزاء ولتكون تحت الهيمنة الكاملة لإسرائيل.

ولقد حاولت واشنطن استكشاف هذا الحل!! الذي يبدو أنه هو ما يحقق حلم إسرائيل، مع الأطراف الفلسطينية في «فتح» وأيضا في «حماس» التي حاولت بيعها المشروع بحجة انه يتفق مع ما تطرحه من «هدنة» مع إسرائيل لسنوات طويلة. ولكننا الآن أمام موقف فلسطيني متحد في رفض المشروع الخطير، يسانده موقف عربي يتسع نطاقه يوما بعد يوم ويطالب بالدخول فورا في قضايا الحل النهائي، وبألا يضيع الوقت في خريطة لا توصل لأي طريق، بل ينبغي أن ترى كل الأطراف «الضوء في آخر النفق»®. أي أن يكون هناك مشروع أساسي للتسوية النهائية المطروحة والتي تجري المفاوضات حول تفاصيلها وبرامج تنفيذها.

وهو ما ترفضه أميركا (حتى الآن) ومعها بالطبع إسرائيل، وما ينبغي أن يكون هدف التحرك الفلسطيني والعربي في المرحلة المقبلة، والذي لابد أن يكون على عدة محاور هامة في مقدمتها:

ـ استكمال بناء الجبهة الفلسطينية الموحدة، والتي ينبغي أن تتسع للجميع حتى من لن يتمثلوا في الحكومة. وكما أشرت سابقاً فان الحاجة ماسة ـ حتى يتم إعادة تشكيل منظمة التحرير ـ إلى قيادة سياسية مشتركة تتولى الجانب السياسي من المعركة، ولتتفرغ حكومة السلطة لمهماتها التنفيذية.

ـ حشد الموقف العربي حول موقف فلسطيني موحد يرفض الدخول في لعبة المفاوضات التي لا تنتهي، ويرفض ترك مصير فلسطين والمنطقة في يد طرف واحد منحاز أصلا إلى إسرائيل. وفي هذا الإطار فان وجود سوريا ضمن الدائرة العربية الداعمة والمؤثرة والحاضنة لهذا الموقف أمر ضروري بالنسبة لفلسطين بل أيضا بالنسبة للبنان والعراق.

* استثمار الموقف الروسي الرافض للهيمنة الأميركية والراغب في لعب دور مستقل في المنطقة وفي العالم. وبدون التهويل في هذا الأمر فان استعادة الموقف الروسي المتفهم للحق العربي أمر ممكن إذا استطعنا لعب أوراقنا الاقتصادية والمالية وآفاق المصالح المشتركة خاصة في مجال الغاز والبترول. كما أن تجربتنا الإيجابية مع الاتحاد السوفييتي السابق في مجالي التصنيع والتسليح ينبغي أن يعاد تقييمها والاسترشاد بها في المرحلة القادمة.

وقد يكون الاتحاد الروسي غير قادر وغير راغب في الوصول إلى مدى بعيد في مناطحة أميركا، ولكن موقف موسكو الجديد يمثل عاملا هاماً في طريق إقامة توازن عالمي جديد. وإذا أضيف للمنافس الصيني القادم في الطريق، وإلى موقف أوروبي سبق لأطراف أساسية فيه أن طرحت فكرة عقد مؤتمر دولي جديد حول القضية الفلسطينية، وهو ما عارضته واشنطن وتل أبيب، ولم يحسن العرب التعامل معه أو استغلاله حتى الآن.

. وإذا وضع كل ذلك ضمن سياق حركة عربية واسعة تستغل الحقيقة التي لا يريد البعض منا أن يصدقها وهي أننا أمام طرف أميركي مهزوم في العراق، وطرف إسرائيلي مهزوم في لبنان.. فلعلنا نضع أقدامنا هذه المرة على بداية الطريق الصحيح.

نقيب الصحافيين المصريين