أدعوكم إلى رحلة رقمية يرافقنا خلالها الكاتب الصحافي الأميركي باسكال بونيغاس.الرقم الأول هو 660 مليار دولار، هذا هو مقدار الإنفاق العسكري للولايات المتحدة على الحرب في العراق منذ الغزو في عام 2003 وحتى الآن، أي على مدى أربع سنوات.

مما يعني ان معدل هذا الانفاق بلغ نحو 14 مليار دولار شهريا أو 5 ,3 مليارات دولار أسبوعيا. وإذا شئت المزيد من التفصيل فإن المعدل اليومي يبلغ نحو 130 مليون دولار.

سنقول بالطبع ان هذا رقم فلكي، لكن بونيغاس ينبهنا إلى رقم آخر أكثر «فلكية», فبينما يشمل الرقم المشار إليه أعلاه أربع سنوات كما ذكرنا فان ما يقارب هذا الرقم يمثل اجمالي الميزانية العامة العسكرية للولايات المتحدة عن عام واحد فقط. فقد رصد لهذه الميزانية عن عام 2008 مبلغ 623 مليار دولار. وهذا يعني ارتفاع الميزانية العسكرية الأميركية بمقدار 62 في المئة بالمقارنة مع عام 2001 ، عام تفجيرات سبتمبر.

مع ذلك يقول بونيغاس، ان هذه المئات المليارية تنفق «دون ان تلوح في الأفق بوادر توحي بانفراج الأزمة العراقية المستفحلة».ثم يتساءل الكاتب عما إذا كان هناك مبرر أمني كاف للإنفاق الأميركي الأسطوري على آلة الحرب.

هنا يعقد بونيغاس مقارنة رقمية بين الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى. فالميزانية العسكرية الروسية لا تزيد على 18 مليار دولار.. والصين لا تنفق على الدفاع سوى أقل من 40 مليار دولار، أي عشر الإنفاق الأميركي وفي بريطانيا يقف الإنفاق العسكري عند حد 50 مليار دولار بينما لا يتجاوز إنفاق فرنسا حدود 41 مليار دولار.

أما إيران التي تثير واشنطن ضجة عظمى حولها بسبب برنامجها النووي فإن انفاقها العسكري السنوي لا يزيد في الواقع على 5,4 مليارات دولار.

ويتساءل بونيغاس: أليس من الأفضل ان توجه الولايات المتحدة ملياراتها المئوية من الانفاق العسكري إلى تمويل مشروعات وخدمات تنموية في العالم الثالث عوضا عن تمويل حروب تدميرية؟

وهنا يورد الكاتب أرقاما من نوع آخر:

فالقضاء على وباء الإيدز ووباء الملاريا في افريقيا لا يتطلب أكثر من 25 مليار دولار، ويكفي مبلغ 15 مليار دولار لتوفير الماء الصالح للشرب لسكان الكرة الأرضية قاطبة.. بينما يمكن بمبلغ 12 مليار دولار توفير التعليم الأساسي لجميع أطفال العالم.

ولكن لماذا تبالغ الولايات المتحدة في الإنفاق على آلتها العسكرية؟

الإجابة الرسمية هي بالطبع ان ضرورات المحافظة على الأمن القومي لأميركا كدولة عظمى تتطلب مثل هذا الإنفاق الأسطوري، لكن بونيغاس يسارع إلى تنبيهنا إلى أنه كلما تمادت الولايات المتحدة في الانفاق على الأسلحة انزلقت وراء إغراء استخدامها.. وبذلك لا تفلح إلا في تأجيج مشاعر العداء العالمي تجاه سياستها الخارجية الدولية.. وبالتالي تهديد أمنها القومي بدل حمايته.

ويبقى السؤال الأخير الذي يطرحه الكاتب الأميركي، يقول بونيغاس: تصور لو أن الولايات المتحدة تبنت تمويل مشروع توفير الماء الصالح للشرب لكافة سكان الأرض على سبيل المثال بدلا من الصرف الإسرافي على آلتها الحربية، ألن يرفع ذلك من شعبيتها في العالم؟ ويعزز من أمنها القومي أكثر من أسلحتها المتراكمة؟