شهدت مدينة «كان» الفرنسية على الشاطئ اللازوردي المتوسطي بجنوب فرنسا انعقاد القمة الفرنسية ـ الإفريقية الرابعة والعشرين ما بين 15 و16 فبراير 2007. إنها آخر قمة يحضرها جاك شيراك بوصفه رئيساً للجمهورية الفرنسية، ذلك أنه يمضي الأسابيع الأخيرة في قصر الاليزيه ـ إلا إذا فاجأ الجميع بضربة مسرحية غير متوقعة بترشيحه لفترة رئاسية جديدة ـ وسيأخذ مكانه في مطلع شهر مايو الرئيس القادم، أو الرئيسة القادمة، لفرنسا.

أطلقوا على قمة «كان» الأخيرة تسميات وتوصيفات عديدة مثل « فرنسا ـ إفريقيا: نهاية سنوات شيراك» أو «وداع الأفارقة لشيراك» أو اختصاراً «قمة الوداع». لكن ومهما كانت التعابير المستخدمة ، فإن الرئيس شيراك قال للصحافيين أثناء المؤتمر الصحافي الختامي عمّا إذا كانت هذه هي القمة الأخيرة التي يحضرها: «إنكم تسألونني عمّا إذا كانت هذه هي آخر قمة فرنسية ـ إفريقية أحضرها، وأجيبكم بنعم»

ثم أردف: «بالنسبة لهذه السنة». وروى بنفس «الروح المرحة» أن العديد من الرؤساء الأفارقة قد ضربوا موعداً للقاء به، عندما غادروا «كان»، في القاهرة بعد عامين حيث ستنعقد القمة القادمة و«لكنني لم أجب عليهم بشيء»، كما قال.مما لا شك فيه أن شيراك «صادق» في حبه لإفريقيا وفي اهتمامه بمصير شعوبها، وإن «حرارتها» تنعش «حرارته» في العلاقات الإنسانية واندفاعه «الفطري» نحو الآخرين.

ومما لا شك فيه أيضاً أن فترته الرئاسية قد شهدت تخفيض عدة مليارات من الديون المترتبة على إفريقيا. وإن المساعدة العامة للتنمية المكرّسة للقارة السمراء قد ازدادت في عهده وصولاً إلى زيادة 5,0 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي العام لفرنسا لعام 2007. وكانت تلك المساعدات قد راوحت في المكان أو تراجعت قبل ذلك. وعرفت فترته أيضاً «ضريبة شيراك» المتمثلة في زيادة يورو على أن كل بطاقة سفر بالطائرة لمساعدة إفريقيا وتبنّاها حتى الآن عشرون بلداً تقريباً.

ولم ينس جاك شيراك أن يوصي من سيخلفه - أو ستخلفه- في المنصب الرئاسي بضرورة إدراك «أن إفريقيا ذات أهمية جوهرية في العالم، وأن المساعدة على تنميتها تساهم في توازنه واستقراره، وأنه على فرنسا أن تولي أهمية كبيرة للعلاقة مع إفريقيا».

ولعلّه من الهام التذكير أن جاك شيراك كان قد خرج عن «القاموس الدبلوماسي» الرسمي أثناء القمة الفرنسية-الإفريقية في ياوندي بالكاميرون عام 2001. وكان يومها قد تلقى رسالة من رعاة الكنيسة يطالبونه فيها بالابتعاد عن الأنظمة الإفريقية التي «تمارس التزوير الانتخابي ومصادرة الثورات والسجن بل والقتل أحياناً».

وكان رد شيراك قوياً وواضحاً ومفاجئاً إذ قال: «لقد جعلنا إفريقيا تنزف طيلة أربعة قرون ثم سلبنا مواردها الدولية، وقيل ان الأفارقة لا ينفعون في شيء.ثمّ وباسم الدين جرى تدمير الثقافة الإفريقية. واليوم، حيث ينبغي أن تقال الأشياء بصورة أكثر أناقة، نقوم بسرقة الأدمغة الإفريقية عبر المنح الدراسية المقدّمة لها.

ثم يقال بعد ذلك إن إفريقيا البائسة ليست على ما يرام وأنها لا تنتج النخب. هكذا إذن وبعد تكديس الثروات على حساب الأفارقة تُلقى عليهم المواعظ والدروس».مثل هذا القول يخرج عن مقولة «المهمة الحضارية والتحضيرية» التي رددتها السلطات الاستعمارية كلها، بما فيها،

بل وعلى رأسها فرنسا، ومورست باسمها مختلف أشكال السلب والنهب والهيمنة على المناطق التي وقعت تحت النير الاستعماري، بما فيها، بل وعلى رأسها القارة الإفريقية السوداء.واليوم وبعد أكثر من نصف قرن من نهاية الحقبة الاستعمارية لا يزال المنطق الاستعماري السابق، ورغم «الكلام الجميل» و«الوعود السخية»،

بل ورغم بعض الجهود التي بذلها شيراك، هو الغالب على التعامل مع إفريقيا. ولا يزال «الأصدقاء-العملاء». مهما بلغت درجة قسوتهم واستبدادهم وتحويلهم المساعدات الممنوحة للتنمية إلى جيوبهم أو إلى حساباتهم المصرفية في البنوك الأجنبية، هم الذين يحظون بالدعم. و«كابيلا الابن» لقي الدعم الفرنسي كي يخلف «كابيلا الأب» في الزائير أثناء الانتخابات الرئاسية لعام 2006 ونفس الأمر بالنسبة ل«اياديما الابن» الذي خلف«اياديما الأب» في توغو، والقائمة تطول.

وتبدو نفس الاستمرارية في نهج السياسات القديمة باستثناء «تجميلها أحياناً». هكذا، ورغم الخطاب النقدي بل والعنيف في بعض المرّات ضد إجراءات منظمة التجارة العالمية أو البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، فإن إجراءات الحماية نافذة بل تزداد «حمائية» في الدول المتقدمة حيث تقام الحواجز أمام مزارعي السنغال أو مالي أو بوركينا أو غيرها من البلدان الإفريقية؛

وإلى جانب المطالبة بتخفيض الديون الإفريقية والحديث عن ضرورة المساهمة في التنمية المستدامة بإفريقيا فإن هذه القارة «معطّلة» بأغلبيتها وليس هناك أي التزام جدي، وليس بتنميتها فحسب، وإنما بمكافحة الأوبئة القاتلة فيها والمتمثلة في ثالوث الايدز والملاريا والسل.

يضاف إلى هذا كله واقع أن أغلبية الأفارقة هم دون العشرين سنة والبطالة تضرب أطنابها إلى درجة مخيفة ثم إن «القلعة الأوروبية المحضة» محاطة بالأسلاك الشائكة التي تتمزق عليها أجساد أولئك الشباب الذين يدفعهم «حلم لقاء الفردوس الأوروبي» إلى محاولة تسلقها.

ثم إن الأمور قد تغيرت كثيراً منذ أن حضر الرئيس شيراك أول قمة إفريقية-فرنسية، في بداية مرحلة ما بعد الحرب الباردة وحضوره هذه القمة الأخيرة في ظل عولمة ليبرالية رسّخت أركانها، وكان من نتيجتها وجود منافسة حقيقية على إفريقيا اليوم بين الولايات المتحدة التي جذبتها رائحة مادة استراتيجية مثل النفط ومواد أولية منجمية ثمينة أخرى وفرنسا بدافع «الحنين» و«الإرث» التاريخي، وأيضاً

وخاصة قوى جديدة «دخلت على الخط الإفريقي» وفي مقدمتها الصين ثم الهند والبرازيل. وللإشارة فقط أصبحت الصين تحتل المرتبة الثالثة في حجم التبادل التجاري مع إفريقيا بعد الولايات المتحدة وفرنسا وقبل بريطانيا. وتجارة الكاكاو في ساحل العاج قد أصبحت بيد الشركات الأميركية والهولندية.ولم يعد لفرنسا حضور كبير إلا في قطاع النفط وليس في القطاعات المربحة مثل المناجم.

وكان شيراك قد فاجأ الجميع في القمة الأخيرة، إذ وبدلاً من إبداء التحفظات حيّا «الرابطة الجديدة التي تقوم بين إفريقيا والصين». ولم يتردد في الدعوة أيضاً إلى تعميق العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ـ وليس فرنسا وحدها ـ وإفريقيا بحضور انجيلا ميركل التي شاركت في قمة «كان» كرئيسة للدورة الحالية للاتحاد الأوروبي.

وفي أفق التحضير لقمة إفريقيا-الاتحاد الأوروبي في لشبونة بنهاية عام 2007. لقد بدا هذا الموقف من قبل شيراك وكأنه استجابة لما قاله الرئيس الغابوني وعميد الرؤساء الأفارقة بوجوده على رأس السلطة منذ أكثر من ثلاثين سنة عندما قال في كلمته بقمّة «كان» الأخيرة:«بدأت فرنسا تصاب بالتعب، وقد فعلت كل ما تستطيعه من اجل مساعدتنا، وعلينا الآن أن نبحث عن شركاء جدد».

هناك أنظار كثيرة ـ ليس بينها ما يحمل الهوية العربية ـ تتطلع اليوم صوب إفريقيا باهتمام بالغ، فهل تستيقظ هذه القارة ؟ وهل تقلع «البطة السوداء» أخيراً لتنضمّ إلى سرب العالم المتقدم؟ وهل تتعلم الدرس من «الشريك الصيني»؟.

كاتب سوري