أثارت تصريحات رئيس الحكومة البريطانية توني بلير الخاصة بخفض عدد القوات العسكرية البريطانية في العراق الاهتمام. وشكّلت مادة سياسية غنية وملفتة لعدة أسباب منها هذا الاعتقاد الذي يروج بأن اخراج القوات الأجنبية من العراق قد يأتي بالحل المنشود.

فهذه القوات حسب هذا الرأي عوض أن تأتي بالأمن وتوفّر الاطمئنان وتُنجح العملية السياسية، لا تفعل غير حثّ العراقيين على المزيد من العنف سواء ضدها كقوات أو ضدّ الشرائح العراقية التي تتعامل معها وتتشبّث بوجودها طالما أن الأوضاع غير مستقرة والمخاطر قائمة!

وجود القوات الأجنبية في العراق يمثل مشكلة فهي قوات احتلال أولا ووجودها لم يوفر الأمنثانيا وبقاءها سيعيق تطور الوضع في العراق ولن يدفع به أماما كما تقول النظرية المضادة التي تنظّر للبقاء. لذلك ووسط هذا التقابل اهتمّّ جميع الفرقاء بتصريحات بلير وأكدواعلى أهميتها وأفاضوا النقاش حولها سواء كانوا مع بقاء القوات أو مع عودتها الى ديارها.

ومهما كانت نية بلير فإن الكلام الصادر عنه بقي ملفتا ومثيرا.وقد بدأت بريطانيا والدنمارك أول أمس سحب قواتهما من العراق في الوقت الذي تتضاعف فيه الضغوط الداخلية في عدد من الدول المشاركة في التحالف الدولي لاتخاذ خطوات مماثلة، كما ضغط الديمقراطيون منذ مدّة في الولايات المتحدة على الرئيس بوش للاقتداء بالسيد بلير الذي صرّح أمام البرلمان الأنقليزي بأن الوجود العسكري البريطاني سيستمر في العراق الى أواخر سنة 2008 ما دام الأمر يستدعي ذلك وما دامت توجد مهمة يتعيّن انجازها.

المشكلة أن هذه المهمة التي يجب انجازها قد لا تنجز أصلا، وبلير يقصد بالطبع مهمة أمن العراق وتطوير قدرات جيشه وشرطته وما يتفرّع عنهما حتى تكون قادرة على ملء الفراغ الذي سيتركه المغادرون، ولأنها حمّالة ـ أي المشكلة ـ لعدة أوجه فإنها قد تظل في حلّها مجرّد أمنية بعيدة المنال.

وبلير يراهن بالطبع على خطة بوش الأمنية لعلها بقبضتها الحديدية وبعدد ضحاياها خصوصا من المسلحين توفّر أرضية لأمل ما.لكن المشاكل الامنية لا تتطلب لا الرهانات بما تحمله من رجم غيب ولا للأماني غير المؤسسة على حقائق مادية ملموسة.

والحقيقة المادية الملموسة الوحيدة في العراق هي أن جبهة رفض تواجد قوات أجنبية في العراق تتدعم كل يوم سواء كان رفضها مجديا أو معاندا.