عندما يتقدم موظف كان قد أمضى في عمله أكثر من 25 عاماً بطلب استقالة فورية نتيجة احباطات لم يعد من الممكن احتمالها في بيئة العمل، فإن الأمر لا يجب أن يمر مرور الكرام على السادة المسؤولين والمخولين بقبول الاستقالة، خاصة حين تقول كافة تقارير وملفات هذا الموظف انه من خيرة الكفاءات في عمله،
وكذلك حين يتقدم موظف آخر أو موظفة معروفة بحرفيتها المهنية وأدائها المميز.. هذه الاستقالات يجب أن تفحص جيداً، وأن يطرح السؤال: لماذا يستقيل أمثال هؤلاء من وظائفهم؟ يجب أن يطرح هذا السؤال قبل أن يؤشر المدير بالموافقة على الاستقالة!
نعم، يحق لكل موظف أن يستقيل بحثاً عن عمل آخر، فرصة أخرى، أو استجابة لعرض أفضل، هذا في الأحوال العادية، أما حين تكون الاستقالة لغير هذه الأسباب فلابد من بحث الأمر جيداً، خاصة حين تكثر الاستقالات في ميدان أو مجال معين، ما يعني أن هناك إشكالية حقيقية في بيئة العمل في هذا المجال، وما يعني أن هذه البيئة الطاردة لا يهمها فقدانها لأبنائها وكوادرها بدليل توقيع رسائل الاستقالة من قبل المديرين بكل سهولة.
انه من المنطق أن تكون هناك أسباب موضوعية وحقيقية وعميقة تدفع موظفاً ملتزماً وحريصاً أمضى في عمله ما يزيد على الـ 25 عاماً، ومن الموضوعية أكثر أن تناقش هذه الأسباب وان تحترم، احتراماً لسنوات العمل الطويلة وسنوات الالتزام وسنوات العطاء، لا يكفي أن يوافق المدير على الاستقالة، لأن ذلك لن يغير من الأمر شيئاً، لن يغير من الظروف التي دفعت لاستقالة (أ) أو( ب) من موظفي مؤسسة ما تقدم نفسها على أنها رمز للتطوير والتميز!!
إن أغلب الذين يتقدمون باستقالاتهم بعد هذه السنوات الطويلة، يتحدثون عن الإحباط واليأس، كما يتحدثون عن قلة التقدير وانعدام الحوافز، مع أننا قد نجد أيضاً أسباباً أخرى أكثر موضوعية، وهي عدم قدرة هؤلاء الموظفين على أن يتأقلموا مع الواقع الجديد في مؤسساتهم، واقع التغيير والتطوير،
ربما لديهم وجهات نظر أخرى، وربما لديهم قدرات للتأقلم بخلاف ما تراه المؤسسة، لكن في النهاية يجب أن يناقش الأمر في ظل جو من الشفافية، فليس كل ما تقرره المؤسسة وما يريده المدير هو الصح المطلق، هناك دائماً مساحة من المرونة بين الرفض والاستجابة.. مساحة نستمع فيها للآراء الأخرى.. فرب رأي آخر من موظف بسيط فيه من الفائدة الشيء الكثير...
علينا أن لا نزيد مساحات الإحباط في نفوس الناس... فهذا ليس في صالح الأداء ولا الحرفية ولا الانتماء للمؤسسات.