خلال زيارته إلى قطر والسعودية رافق الرئيس فلاديمير بوتين وفد كبير من رجال الأعمال، كان من أبرزهم قيادات الاحتكارات النفطية الروسية(لوك أويل، روس نفط) وكان أيضاً رؤساء شركات(روس ابارون أكسبوت) لتصدير المعدات العسكرية، و(أنظمة) و(روسالا) للاتصالات.

ولابد من القول ان مشاركة رؤساء الشركات الحكومية في الوفد المرافق لبوتين في جولته قد استهدفت فتح قنوات التعاون الاقتصادية بين روسيا ودول المنطقة، إلا أن مساعي الكرملين لم تسفر عن توقيع عقود بين هذه الشركات ومؤسسات قطاع الأعمال في دول الخليج. واقتصر الأمر على مفاوضات حول إمكانات وآفاق التعاون بين الشركات الروسية والمؤسسات الاقتصادية العربية.

ولعل كلمة بوتين في الرياض قد حددت المحاور التي يسعى الكرملين لبنائها مع دول المنطقة كأساس راسخ للتعاون المشترك، حيث شكل الحديث عن التعاون بين شركات البلدين في قطاع الطاقة أكثر من نصف كلمة الرئيس الروسي.

حيث تمت الإشارة إلى أمكانية مشاركة الشركات الروسية في أعمال الاستكشاف الجيولوجي والتنقيب، ومشاريع استخراج النفط والغاز في السعودية، وفي إنشاء شبكات أنابيب نقل النفط والغاز والبنى التحتية المتصلة بهذه القطاع، وكذلك في استخدام الدراسات العلمية والتكنولوجيات الروسية الحديثة في مجمع النفط والغاز.

وتعتبر شركة «لوك أويل» من أوائل الشركات الروسية التي دخلت إلى السوق السعودي. حيث تعمل منذ عدة أعوام في مشروع لاستكشاف واستثمار حقول الغاز في الموقع «أ» الذي يقع في صحراء الربع الخالي. وتقدر فترة أعمال التنقيب والاستكشاف الجيولوجي بحوالي 5 سنوات، وقد حددت العقود تكاليف المشروع بأكثر من 200 مليون دولار.

وفي حالة اكتشاف احتياطي ملموس من الغاز تحصل الشركة الروسية على حق المشاركة في تصديره. وتحاول شركة «ستروي ترانس غاز» أن تكون ثاني الشركات الروسية العاملة في السوق السعودي، حيث انها تستعد للمشاركة في مناقصة إنشاء شبكات أنابيب مختلفة الغايات في حقل حريث في المحافظة الشرقية سيبلغ طولها 177 كم.

كما تسعى للمشاركة في مشاريع استخراج النفط وإنشاء منشآت بنية النفط التحتية سواء في السعودية أو في بلدان أخرى بالتعاون مع الشركات السعودية المتخصصة في هذا المجال. وجرت مفاوضات بين رجال الأعمال من البلدين حول أمكانية تأسيس شركة روسية سعودية مشتركة لتقديم الخدمات إلى مستخرجي النفط في روسيا،

وناهيك عن أن الجانب السعودي لم يتقدم بمقترحات واضحة المعالم في هذا المقترح بشكل محدد، فإن بقية الملفات تركت مفتوحة، باعتبار أن السوق السعودي مفتوح، وهو ما يعني أن الشركات الروسية ستواجه منافسة حادة مع الشركات الغربية حتى تتمكن من العمل في الأسواق السعودية.

أما الملف الثاني في المفاوضات الروسية ـ السعودية فكان مشاركة شركة «السكك الحديدية الوطنية الروسية» في مناقصة إنشاء خط السكك الحديدية (الشمال ـ الجنوب) في السعودية، والذي يصل طوله إلى 2400 كم، وتقدر تكاليف تشييده بحوالي ملياري دولار. وإلى جانب ذلك دعا بوتين البنوك العربية للعمل في السوق الروسي، باعتبار أن القوانين الروسية تسمح بتأسيس شركات مالية برؤوس أموال أجنبية في روسيا.

ولابد من القول ان التعاون الاقتصادي بين موسكو والرياض، ودخول الشركات الروسية إلى السوق السعودي، يعتمد على جانبين، الأول سياسي، والثاني اقتصادي.. أما الجانب الاقتصادي فيتطلب من الشركات الروسية أن تدرك أن المنافسة بينها وبين الشركات الغربية ستكون جادة وساخنة، ولن يفيدها دعم الكرملين، أو دعوات الرئيس لقيادات هذه الدول بالتعاون مع الشركات الروسية،

باعتبار أن بلدان المنطقة تعتمد مبدأ الاقتصاد الحر الذي يمنح الأولوية لأفضل العروض التي تناسب مصالح هذه البلدان. مما يفرض على قطاع الأعمال الروسي إعداد دراسات جادة ومقارنة لمستوى جودة المنتجات الروسية ومدى تميزها في النوع وفي التكاليف عن المنتجات الغربية. وتجاوز نقاط الضعف التي تتمثل عادة في النواحي الشكلية للسلع الروسية، أو تسهيلات السداد التي عادة ما يتهرب الجانب الروسي من منحها، في وقت تعتمد فيه الشركات الغربية عليها كسبيل لغزو أسواق الشرق الأوسط.

أما الجانب السياسي وهو ما يجب أن تأخذه بعين الاعتبار الحكومات العربية، التي تفتح أسواقها لكافة المنتجين، ويصعب القول ان كل المؤسسات الصناعية العالمية التي تدخل أسواق الدول العربية بهدف تسويق منتجاتها تعتمد في ذلك على جودة منتجاتها، ورخص تكاليفها. وإنما يلجأ قطاع واسع إلى لعبة تكبيل هذه الدول بالقروض المشروطة، وبعقود توريد تجبرها على الارتباط لفترات طويلة بتقنيات المنتجات التي استوردتها من مؤسسة بعينها.

وليس سراً أن العديد من القروض الأميركية تشترط استخدامها في شراء منتجات الشركات الأميركية، مما يجعل هذه الدولة أو تلك أسيرة لمصالح الشركات الأميركية. والتي عادة ما تحدد نوعية السلع التي ستقوم بتوريدها، دون مراعاة رغبة المشتري في الحصول على مستويات معينة من الجودة والتقنية.الأمر الذي يضعف من إمكانات هذه الدول لتطوير قطاعاتها الصناعية وبالتالي أدائها الاقتصادي. هذا الوضع يكشف عن أهمية العلاقة السياسية المتوازنة والتي يحترم فيها الطرفان سيادة ومصالح كل منهما.

ان بلدان الشرق الأوسط التي تقف على مشارف نقلة نوعية نحو تطوير اقتصادياتها، تحتاج لاستيراد تقنيات وآليات متطورة بعقود غير مشروطة، ومن هنا تأتي أهمية العرض الروسي الذي يرفض منطق التدخل في شؤون الآخرين ويدعو لاحترام مصالحهم وسيادتهم.

ولن نقول ان الشركات الروسية أو موسكو تفكر بشكل أخلاقي أو مثالي، ولكن لروسيا مصالح متعددة في أن تدير تعاونها الاقتصادي مع هذه الدول وفق هذا المنطق، باعتبار أن تحرر هذه الدول من التبعية يشكل رصيداً لسياساتها الدولية، ويفتح لها نافذة تمكنها من تحقيق مشروعها في تشييد عالم متعدد الأقطاب. نظراً إلى أن هذا المشروع سيخفف الضغط على روسيا ودول الشرق، وسيقلل من عملية إنهاك موازناتها بنفقات غير مثمرة.بل أنه سيوفر القدرة على تطوير ونمو الاقتصاد الوطني لكل الأطراف.

ومما لاشك فيه ان تحقيق الاختيار الروسي ليس سهلاً لأن صراع السوق الحر أكثر قسوة، ويستدعي أحياناً صدامات دامية، إلا أن السبيل لتحرير السوق الحر من ضغوط وهيمنة القوى العملاقة التي تفرض مصالحها على الآخرين بالقوة دون مراعاة مصالح البقية.

خبيرة روسية في الطاقة