اقترب استقلال الكويت من بلوغ النصف قرن، ذلك الاستقلال الذي توج في العام 1961 بإلغاء اتفاقية الحماية التي ربطتها مع التاج البريطاني منذ العام 1899 والتي وقعها الشيخ مبارك الصباح (1896 ـ 1915)، مؤسس الكويت الحديثة وأعظم حكامها قاطبة. ومرت دولة الكويت خلال أقل من نصف قرن من استقلالها بتجارب تختلف كل الاختلاف عن تلك التجارب التي مرت بها شقيقاتها الخليجيات.

فقد كان تأثير الثروة النفطية على بنيتها الاجتماعية والاقتصادية مبكراً، صحيح أن البحرين قد سبقت الكويت إنتاجاً وتصديراً للنفط، إلا إن ذلك الإنتاج كان قليلاً، وصحيح أيضاً أن المملكة العربية السعودية قد صدرت نفطها في موعد متقارب مع الكويت، إلا إن عائدات ذلك النفط كانت شحيحة آنئذ لتغطي احتياجات دولة شاسعة المساحة مترامية الأطراف كالسعودية.

ودولة الكويت أيضاً ذاقت حلاوة الريادة الاقتصادية في أواخر الخمسينات وطوال حقبة الستينات إلى أواسط السبعينات، ونعم مواطنوها والمقيمون على أرضها بخدمات «دولة الرفاه» المميزة، إلا إنها أيضاً رأت كيف أن «دبي» خصوصاً، ودولة الإمارات العربية الشقيقة عموماً قد تألقت وأخذت منها الأضواء منذ بداية الثمانينات، ثم هاهي تسمع وترى ما يحدث حالياً في دولة قطر الشقيقة من نجاحات تفوق الوصف!

والكويت شهدت أزمة اقتصادية في العام 1982 لم تشهد مثيلاً لها دول المنطقة سميت بأزمة «سوق المناخ»، تشبه إلى حد بعيد ما حدث في بورصة نيويورك في العام 1929! إذ بين ليلة وضحاها أفلس الآلاف ممن كان البعض منهم يملك أسهماً تقدر بملايين الدنانير، وباتوا يملكون أوراقاً لا تساوي ملاليم!

والغريب أن هذا السوق لم يكن سوقا شرعياً، ومضارباته كانت غير قانونية، أما شركاته فقد كانت شركات على الورق! ولعل هذه التجربة المرة التي كلفت المال العام نحو مليار دينار وأدخلت الآلاف في برنامج المديونيات الصعبة، ناهيك عن أولئك الذين دخلوا المستشفيات بأنواعها، هذه التجربة القاسية علمت الكويتيين تنظيم التعامل بالأوراق المالية على أصولها الصحيحة بضوابط متعارف عليها بالأسواق العالمية، وهذا ما حصل في إنشاء بورصة الكويت في العام 1995.

وَتَهدد كيان الكويت كدولة مستقلة مرتين، بل إنها في المرة الثانية (الثاني من أغسطس 1990) قد فقدت وجدودها الفعلي ولو لأشهر معدودات. فما أن أعلن استقلالها حتى طالب بها عبد الكريم قاسم مدعياً أنها جزء من العراق. وكانت وقفة الدول العربية وعلى رأسها الجمهورية العربية المتحدة بقيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر وقفة مشهودة.

ولم تتجاوز الكويت عقدها الثالث حتى كان الجيش العراقي بقيادة صدام حسين يغزوها ويبقى على أرضها شهوراً سبعة. ولولا التحالف الدولي، ومساعدة الأشقاء في دول مجلس التعاون ومصر وسوريا لكان للتاريخ مجرى آخر. ولعل تجربة الاحتلال علمت الكويتيين التضامن والتكاتف وقت المحن وتجلت الوحدة الوطنية بأبهى صورها في تلك الأيام. و

َهُم في هذه المحنة مروا بتجارب يمرون بها لأول مرة كمقاومة الاحتلال والصمود والأسر (رجالاً ونساءً وأطفالاً) وإدارة شؤون المجتمع في ظل غياب قيادتها الشرعية وغيرها. وقد لام الكويتيون أنفسهم كثيراً أثناء تلك المحنة على تخليهم عن مبدأ أساسي قامت عليه الكويت منذ نشأتها الأولى في أواخر القرن السابع عشر ألا وهو سياسة مراعاة التوازنات،

إذ هم أخلوا بهذا المبدأ أثناء الحرب الإيرانية العراقية بتأييدهم المطلق لصدام حسين. وقد اتعظت السياسة الخارجية الكويتية من هذا الدرس الأليم، فنراها هذه الأيام مثلاً تحاول التوفيق بين رغبات الحليف الأميركي وتطلعات الجار الإيراني.

وقد اختطت الكويت لنفسها سياسة متميزة داخلياً بتبنيها للنظام الديمقراطي، حيث تم انتخاب المجلس التشريعي في العام 1962 وهذا المجلس أقر دستوراً ما زال العمل جارياً به، وهو دستور لم يتعرض للتنقيح إلى الآن، وهذه ظاهرة ايجابية بحد ذاتها في المحيط العربي المعروف!!

ولعل عوامل ثلاثة قد ساهمت في اتخاذ الكويت هذا الطريق لعل أولها الضغوطات الخارجية المتمثلة بالتهديدات العراقية التي أطلقها عبد الكريم قاسم في أول أيام استقلال الكويت، وثانيها وجود الشيخ عبد الله السالم ـ الذي يكنى بأبي الديمقراطية ـ

وبعد نظره وقراءته الصحيحة للأوضاع المحلية والإقليمية، وثالثها تلك المطالبات المستمرة التي كان يرفعها طليعة الشعب الكويتي وهم تجارها العريقون بإقامة نظام حكم نيابي. وإرهاصات ذلك النظام تمتد إلى أوائل العشرينات حيث شهدت الكويت إنشاء عدة مجالس، عامة ومتخصصة.

ولم تَسر تجربة الكويت الديمقراطية سيراً سلساً، بل حدثت بها تعرجات وانعطافات حادة. فتعرض مجلس الأمة إلى حل غير دستوري مرتين (1976 و1986) وحل دستوري مرتين أيضاً (1999 و2006)، وأضحت الحياة النيابية مع مرور الوقت أسيرة لفرز قبلي وطائفي تتحدد بمقتضاه تركيبة مجلس الأمة والمجلس البلدي، بل وأثر ذلك الفرز حتى في مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها النقابات العمالية.

وأصبح هم أعضاء مجلس الأمة هو التفنن في اقتراح المشاريع التي تهدر المال العام دون أن تكون لهم وقفة جادة في مسألة الإصلاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل وفي توجيه قوة العمل الوطنية إلى القطاعات الإنتاجية! ومن المفارقات العجيبة أن يستشري الفساد الإداري ونهب المال العام في ظل وجود رقابة شعبية!! بالاختصار، لم تعد ديمقراطية الكويت مثالاً يحتذى لأبناء المنطقة كما كانت في نشأتها الأولى.

ولا شك أن المواطن الكويتي قد حقق مستوى طيباً من الحياة وهو يعيش في بحبوحة ورغد من العيش بمعدل دخل للفرد يزيد على الواحد والعشرين ألفاً من الدولارات سنوياً، وبمتوسط عمر يقدر بسبع وسبعين سنة، فضلاً عن رعاية الدولة له «من المهد إلى اللحد»!

بيد أن ما يثير حنق هذا المواطن ـ بالذات فئة المثقفين ـ أن هناك غياباً لأي خطة مستقبلية تؤمن هذا المستوى من العيش، فالدولة قائمة على مورد واحد وهو النفط، وهو يمثل حالياً نصف الناتج المحلي الإجمالي و95% من عوائد التصدير ونحو 80% من إيرادات الدولة.

وليس ثمة أي جهد حقيقي لتنويع القاعدة الاقتصادية بما يتطلب من إعادة هيكلة القوى العاملة المحلية والاستفادة القصوى منها. والشكوى قائمة على نطاق واسع من سوء الخدمات رغم توافرها، وربما استجواب وزير الصحة الأخير قد بين جزءاً من ذلك الواقع.

خلاصة القول انه مع ولوج الكويت في نصف قرن من استقلالها فإنها تواجه تحديات كبيرة خارجية وداخلية، والتعامل مع تلك التحديات يعتمد على وعي شعبها وقيادتها السياسية، وشعبها وقيادتها السياسية قد عركتهما التجارب بما ينبئ بمستقبل زاهر لهذا البلد الصغير.

alyusefi@hotmail.com