ألف عام هي الفارق في عمر الإنسانية بين عمر الحرب وعمر السلام طبقا لما يشير إليه المؤرخ الكبير «ول ديورانت» حين يرصد أن ما عاشته البشرية من معاناة مأساوية في سنوات الحروب امتدت لـ 1127 سنة، بينما لم يزد ما نعمت به البشرية في عمر التاريخ عن 127 عاما فقط، وذلك في كتابه التاريخي الذائع الصيت «قصة الحضارة».

والصورة الحالية للعلاقات الدولية في عالم اليوم لبطش الأقوياء بالضعفاء، وهيمنة الكبار على الصغار، وتحكم الأغنياء في الفقراء تشير إلى استمرار البشرية في انزلاقها نحو الهاوية، بمزيد من المظالم وقليل من العدالة، ومزيد من الحروب، وقليل من السلام ، ومزيد من الخوف وقليل من الأمن، وفي النهاية بمزيد من جرائم قتل الإنسان لأخيه الإنسان في الشمال أو في الجنوب سواء بالفقر أو بالمرض، بالفتن أو بالحروب.

وفي عصرنا الحديث مازال أحفاد «قابيل» يواصلون جرائمهم البشعة ضد أحفاد «هابيل» من شعوب الإنسانية خصوصا الصغيرة والفقيرة، أو صاحبة الحضارات الثرية والكبيرة، لكن الجديد في ظل النظام الدولي الجديد الذي يهيمن فيه لوبي النفط والسلاح الصهيوني على القرار السياسي الأميركي في عصر القطب الواحد، أن «قابيل الأميركي» لا يداري سوءته هو قبل سوءة أخيه، وبدلا من أن يغالبه الشعور بالندم على مارتكب من جرائم ومظالم، ظهر على العالم مرتديا رداء «هابيل»!

وفي نصف قرن واحد فقط هو القرن ال( 20 ) شهدت البشرية على يد القوى الأوروبية الكبرى أفظع أشكال الحروب التي حصدت الضحايا بعشرات الملايين، وشهدت أوسع عمليات الدمار الإنساني في أكبر الحروب العالمية ضراوة، في الحرب الأولى جرى تفكيك وحدة الدولة الإسلامية وتمت السيطرة عليها، وفى الثانية زرعوا (إسرائيل ) خنجرا في قلبها، وارتكب قابيل الأميركي أكثر الجرائم وحشية في التاريخ بضرب «هيروشيما» و«نجازاكي» اليابانية بالقنابل الذرية ثم خرج على العالم شاهرا سيفه.

وبينما رسم «قابيل» مشروعه الإمبراطوري الجديد بعد الحرب العالمية الثانية للهيمنة على العالم على أنقاض الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة بثوب استعماري جديد تحت شعارات خادعة جديدة هي حق تقرير المصير والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والاقتصاد الحر كجواز مرور للنفوذ الاقتصادي والسياسي مرتديا قميص «هابيل»..

لم يستبعد من وسائله استخدام القوة العسكرية الجبارة ضد الدول والشعوب التي تشكل عوائق سياسية أو ثقافية في طريق زحفه للهيمنة على العالم، بل لقد ضبطت أميركا متلبسة في أكثر من بلد بانتهاك القانون الدولي بالغزو والاحتلال وبتدبير الانقلابات والعمليات القذرة ضد النظم التحررية الاستقلالية، وارتكاب جرائم الحرب وانتهاك حقوق الإنسان في البلاد التي قامت بغزوها أو احتلالها،

كما أن سجل تاريخها القديم والجديد معروف في دعم الديكتاتوريات الموالية والتابعة وفى فرض الحصار وشن حروب التجويع على الديمقراطيات المخالفة والمقاومة، خصوصا العربية والإسلامية عندما تأتى نتائج الانتخابات فيها لصالح قوى سياسية ترفض الخضوع للشروط الأميركية أو تقاوم الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية.

وفي أكبر عملية تضليل دعائي استراتيجي للشعوب العربية والإسلامية، حشدت الإدارة الأميركية خصوصا في عهد الرئاسة الحالية التي يسيطر على قراراتها لوبيات السلاح والنفط والتي تتغلغل فيها المصالح الصهيونية، كل وسائل الكذب والخداع وتشتيت الانتباه وقلب المفاهيم الإعلامية والثقافية لتبرير حروبها العدوانية ولتمرير مشاريعها الشرق أوسطية المشبوهة لتمكين إسرائيل وللسيطرة على النفط.

وفي عصر الحرب الباردة بين المشروع الرأسمالي الأميركي والمشروع الشيوعي السوفييتي للهيمنة على العالم كان قميص هابيل هو رداء المعسكرين، وكان سعي السياسة الأميركية التي وضعت الشيوعية عدوها الأول بعد انتصارها على النازية والفاشية تحاول إدعاء الصداقة مع الإسلاميين وتسعى للتحالف معهم ضد الشيوعيين، والآن وبعد أن فرغت من الشيوعيين انقلبت على المسلمين واتخذت الإسلام عدوا،

وسعت بما أسمته «ملء الفراغ» في الخمسينات إلى إقامة الأحلاف لتوظيف العرب والمسلمين كوكلاء خدمات عنها في مواجهة عدو أميركا الاستراتيجي، بدلا من مواجهة عدوهم الاستراتيجي، وتحويلهم إلى حائط صد لأميركا لمحاربة عدوها في أفغانستان بترويج أن الاتحاد السوفييتي والشيوعية وليس إسرائيل والصهيونية هو مصدر الخطر وهو العدو، وذلك لتحويل أنظارهم عن العدو الصهيوني ومصدر الخطر الحقيقي الذي يحتل أرضهم.

وبعد سقوط سور برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي وتواري الخطر الشيوعي على الولايات المتحدة وحلفائها، خلعت السياسة الأميركية قناع «هابيل» المسالم وظهرت شخصية «قابيل» القاتل، حين وضعت مراكز الدراسات التابعة للوبي السلاح ولوبي النفط برعاية اللوبي الصهيوني «الإسلام» على أجندتها السياسية باعتباره العدو الاستراتيجي البديل كان ذلك قبل 11سبتمبر، لكنها بعده حاولت إلصاق تهمة الإرهاب بالعرب والمسلمين، وفى يوم وليلة انقلب حلفاء الأمس إلى خصوم،

وتحول الأصدقاء المسلمين بقدرة قادر إلى «أعداء إرهابيين» بعد أن دفعوا من دمائهم ونفوطهم ومصالحهم فاتورة الانتصار الأميركي الغربي على المنافس السوفييتي الشرقي، وجاءت اعتداءات سبتمبر الغامضة فرصة لإعلان أكبر عريضة اتهام دون محاكمة للعرب والمسلمين بممارسة الإرهاب، ولشن الحروب على العرب والمسلمين تحت العنوان الملتبس «الحرب على الإرهاب»!

والجديد هنا هو عودة قابيل الأميركي إلى ارتداء قميص هابيل وإدعاء أن أميركا هي مركز الخير التي تريد نشر الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن العرب المقاومين للاحتلال الصهيوني من أجل الحرية والمسلمين المناهضين لمشاريع الهيمنة الأميركية النفطية والعسكرية الشرق أوسطية هم «محور الشر» الإرهابيين أعداء الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان !،

وبمحاولة تقسيم العالم إلى قسمين بسياسة تهديد وابتزاز جديدة هي «من ليس مع أميركا فهو ضدها «وتحت ظلال كثيفة من الضغوط وخلط الأوراق والمزاعم الكاذبة بحجة «حكاية أسلحة الدمار الشامل» قامت بغزو عدواني واحتلال غير شرعي للعراق العربي، الضلع الأول فيما زعمت أنه محور الشر، للتغطية على الهدف الحقيقي وهو السيطرة على النفط، وضمان الأمن الإسرائيلي، ومحاولة الهيمنة على العالم.

وها هي إدارة قابيل الأميركي الآن بعد ترنحها السياسي المأزوم والعسكري المهزوم في العراق بفعل المقاومة المتصاعدة والخسائر الأميركية المتزايدة وفقدان ثقة الشعب الأميركي، ومجلس النواب الأميركي، وازدراء العالم، وبدلا من الاستماع إلى نصائح بيكر ـ هاميلتون

ونصائح أصدقائها في المنطقة بانتهاج الحلول السياسة والحوار مع سوريا وإيران، راحت في رعونة تصعد من تهديداتها ، ولمحاولة التغطية على الفشل في العراق تلجأ برعونة نادرة إلى زيادة الاندفاع العسكري للتورط في مستنقع أكبر في محاولة للتغطية على الفشل في العراق وأفغانستان بالمزيد من الفشل في سوريا وإيران!

وعلى عكس دروس التاريخ تطور هجومها تحت نفس المزاعم الكاذبة ووسائل التضليل المتعمد والضغوط المحمومة على العرب والمسلمين ووضع المسلمين في مواجهة المسلمين، والعرب في مواجهة غير العرب باختراع العدو البديل وإقناع العرب بأنه العدو الأول لتحويل أنظارهم عن إسرائيل بتهويل فكرة أن إيران الإسلامية هي العدو وهي الخطر الأكبر وليس إسرائيل الصهيونية، لتكرار نفس اللعبة القديمة التي وعتها الشعوب العربية.

وبعد تجارب الخداع والكذب للعرب والمسلمين سواء في الحرب العالمية الأولى بوضع العرب المسلمين في مواجهة الأتراك المسلمين أو في الحرب الباردة، وبعد ثبوت كذبهم واستغفالهم لبعض العرب والمسلمين لاحتلال العراق، بتحويل انتباههم عن عدوهم الحقيقي في فلسطين المحتلة إلى عدو شقيق وهمي بديل تحت مزاعم كاذبة،

أصبحوا يدركون الآن أن التورط ضد شقيق عربي أو شقيق إسلامي من أعداء إسرائيل في أي حرب بالوكالة عن أميركا تحت وهم أنهم يحمون أنفسهم، إنما هم بهذا يفقأون عيونهم بأصابعهم ظنا منهم أنهم يواجهون أعداءهم! هابيل.. لا تنخدع ولا تستسلم مرة أخرى وقاوم إجرام قابيل.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com